مقالات

الكرة في ملعب الانتقالي

مع توقيع اتفاق الرياض 2 وبدء إجراءات التنفيذ، يكون المجلس الانتقالي الجنوبي قد خرج منتصراً في هذه الجولة من الصراع، بعد أن ضمن لنفسه تمثيلاً جيداً في السلطة، وبات وزنه السياسي أثقل وأكثر أهمية وتأثيراً في الداخل والخارج.

بالتأكيد، فعالية الانتقالي وقوته الشعبية والعسكرية في الجنوب ساهمت في تحقيق هذا الانتصار غير المسبوق، لكن العامل الأكثر حسماً، أو لنقل القشة التي رجحت كفة الانتقالي في الميزان، هو سقوط ورقة التوت عن خصمه اللدود جماعة الإخوان المسلمين وانكشاف مخططاتها الخطرة، ضمن المحور التركي القطري للاستحواذ على باب المندب.

كناقد للمجلس الانتقالي، بل ومعارض له، أرى أنه نجح في تسجيل حضوره كقوة سياسية معترف بها، لها وزن ونفوذ وصوت بات مسموعاً، وقد أصبحت الكرة في ملعبه الآن، والأبواب مشرعة أمامه للصعود إن شاء، وهذا يفرض عليه، إجراء مراجعة شاملة، وتقييم دقيق، لأدائه خلال المرحلة السابقة، وأن يخوض أهم معاركه، معركة هندسة الذات، أو إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية، ابتداءً من برنامجه السياسي، وحتى خطابه الإعلامي.

وإن لم أكن من مؤيدي الانتقالي، فإني أقول هذا انطلاقاً من كوني أحد الكتاب والنشطاء السياسيين المتعاطفين مع قضية الجنوب منذ وقت مبكر نسبياً، ويعرف زملائي في الحراك الجنوبي من الشباب ذلك جيداً، ولكني كواحد من المحسوبين على الشمال رغم قرب انتمائي الجغرافي من الجنوب، قد دفعت ثمن الإرث الثقيل الذي احتملته المكونات الجنوبية على ظهورها من حقبة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وهو الإرث الذي تسبب بكثير من الأخطاء التي سجلت لاحقاً في حق الانتقالي وفي مسيرته.

إن رهاب الشك، والقبضة الأمنية المفرطة، والتعبئة الثورية النزقة، والخطاب الشمولي، والشعوبية بكافة أشكالها، والفرز على الهوية والخطاب المتشنج تجاه المختلف، هي أمور أعاقت مسيرة الانتقالي، وأهدرت الكثير من الوقت في طريقه للوصول إلى أهدافه، وأعتقد من خلال متابعتي لخطاب قيادات الانتقالي خلال العام المنصرم، أن هناك تقديراً جيداً لهذا الأمر، وجودة عالية في الخطاب، وإلى حدٍ ما، في الممارسة على الأرض، لكن الأمر يحتاج إلى المزيد من الجهد لتحقيق الإصلاح المنشود، خصوصاً وأن الانتقالي بات قوة مركزية في المعادلة الوطنية، ولا بد من أن يكون جاهزاً لقيادة الدولة بنجاح، بصرف النظر أكانت هذه الدولة هي اليمن الاتحادي، أم جمهورية جنوبية مستقلة عاصمتها عدن.

على الانتقالي أن يدرك، ويشعر جمهوره، بأن الكثير من الشماليين البسطاء، ليس لديهم عداوة معه، ولا خصومة مع دولة الجنوب المحتملة، وأن أي انتقال سلس ومشروع من الوحدة إلى فك الارتباط، لن يثير حفيظة أحد باستثناء القوى التي دمرت مشروع الوحدة منذ 30 عاماً وتاجرت به، وإن كل ما يريده اليمنيون في الشمال، هو حماية حقوق ومصالح أقاربهم وإخوانهم وأصدقائهم الشماليين في الجنوب، وتسوية عادلة لجميع الملفات العالقة، تسبق عملية فك الارتباط.

وهذا، تقريباً، أحد أهم الالتباسات التي أساءت سابقاً للعلاقة بين الجميع، ولم يعُد ممكناً الآن، وقد أصبح الانتقالي شريكاً رسمياً في قيادة الدولة، أن يسمح بارتكاب مثل هذا الفرز تجاه عموم الشماليين، فالقوى السياسية كافة، صديقة أو عدوة، لا تشكل 10% من المواطنين الشماليين، ولا يصح أن يحكم عليهم من خلال خطاب تلك القوى ونسبة جماهيريتها الضئيلة.

ومع التأكيد للمرة الثانية على أهمية التحول المسؤول والراقي في خطاب قيادات الانتقالي، فإن الأهم هو أن يصبح هذا التحول، وعياً جماهيرياً وشعبياً لدى أنصاره وكل المتعاطفين معه. وسواءً انتهى الأمر إلى دولة واحدة أو دولتين، فإن الغاية أن يحدث ذلك، في حالة من الوئام والتوافق والسلام الاجتماعي بين الناس الذين تربطهم علاقات مودة وقربى ومصاهرة بصرف النظر عن أي تسميات أو هويات جغرافية أو وطنية أو سياسية.

المرحلة القادمة ستفرز تحديات مختلفة أمام الانتقالي، ولعل قياداته تدرك الكثير من هذه التحديات، وأهمية التركيز على مواكبتها والتغلب عليها، ومن ذلك، استكمال التحول من الحالة الثورية النزقة، إلى الحالة السياسية الرصينة، وتجذير المفاهيم الأخلاقية الوطنية والإنسانية، في الوعي الجمعي والسلوك العام للناس، كالمواطنة، وحرية الرأي، والتعايش واحترام القانون ونبذ العنف والتعصب والإقصاء والتخوين ورفض الشعوبية والهويات الصغيرة القاتلة.

كما يدرك الانتقالي جيداً، أن القوة العسكرية لا تصلح لخوض جميع المعارك، وأن عليه الآن، أن يولي جل اهتمامه، لإصلاح وتقوية أدائه الإعلامي، بسياسة إعلامية جديدة تختلف عن خطاب التعبئة الذي يثير التوتر والاحتقان، والذي يتسبب بمردود عكسي على صاحبه مع أول إخفاق أو تراجع، وبالقدر الذي تحتاج الأدوات الإعلامية للكثير من التطوير والإضافات النوعية في الجانب الفني والإنتاجي والمحتوى الفكري والسياسي والمعرفي عموماً، تحتاج أيضاً لمساحة حرية أوسع، وتنوع مثمر في النقاشات البناءة لشتى المواضيع التي تلامس تصورات الجنوبيين عن المستقبل وتطلعاتهم بشأنه.

ولا يغفل المراقب، أيضاً، عن أهمية ما أشرنا إليه سابقاً، حول إعادة هندسة البرنامج السياسي والتصورات التي ينتج عنها، بنظرة شاملة تراعي خطة العبور الآمن إلى المستقبل، وبقدر أهمية وخطورة الملف السياسي والإعلامي، تكون خطورة ملف التنمية وإدارة المؤسسات، وهي عملية تستدعي تركيزاً عالياً هي الأخرى، وتتطلب استقطاب الخبرات وإعلاء معيار الكفاءة والاستقامة، وإعداد وتدريب وتأهيل الكوادر، خصوصاً من جيل الشباب، على درجة عالية من الحرفية والمسؤولية والنزاهة والالتزام والحنكة، بما يمكنهم من إدارة عجلة التنمية والبناء، وقيادة مؤسسات الدولة بجدارة واقتدار.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق

الوسائط المتعدده

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق