مقالات

حزب النكران في شرعية الجحود

    كانت زيارته الرابعة للجمهورية العربية اليمنية عندما افتتح سد مأرب في 21 ديسمبر 1986.
بني السد على نفقة الإمارات العربية المتحدة بتوجيه من الشيخ “زايد بن سلطان آل نهيان” وبمبادرة منه انطلاقاً من حبه لليمن وشعبها ومن حرصه على إحياء أثر حضاري وتاريخي كبير في الدولة التي يعتبرها العرب البلد المهد، أصل العروبة.
يمثل سد مأرب المعلم البارز للعلاقة المتينة بين الشعبين في اليمن والإمارات، غير أنه ليس المعلم الوحيد فالعلاقات وثيقة والتعاون مثمر في المجالات الاقتصادية والثقافية وفي الميادين كلها. والإمارات لم تمد يدها البادلة لصنعاء وحدها ثم لا تنظر إلى عدن ولا تلتفت. وكان الإهمال دأب دول عديدة في المحيط الإقليمي أغضبها سلوك النظام اليساري الذي التزم التحريض على الثورة في الخليج والجزيرة العربية. أكثر من الإهمال فقد دفع ذلك الشطط الأنظمة الحاكمة في الخليج إلى تبني سياسة عدائية تجاه نظام عدن وهو سلوك لم تنزلق إليه الكويت والإمارات العربية المتحدة. 
ولقد يرجع السبب إلى الثقة المفرطة بالنفس لدى الدولتين فما دامت توظف مواردها توظيفاً سليماً لإنجاز التنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي فلا مخافة من الشعارات مهما بلغ بريقها وطنينها ذلك أن الكلام تذروه الرياح إذ لم تسنده إنجازات شاهدة على الأرض. وكذلك لأن التمادي في الإهمال والعداوة يولد الاختناق ويدفع بالطرف المحاصر إلى العناد والغلو في التطرف وذلك لا يخدم الاستقرار في المنطقة ولا يفيد اليمنيين في شيء بقدر ما يحدث فيهم اضرارا بلا حدود.
وأهم منه فقد كان الشعور بالواجب الأخوي تجاه الشعب اليميني يتغلب على التوجس من شطحات القائمين على الحكم. وهكذا قدمت الإمارات مساعدات سخية ومولت مشاريع عديدة في مجال الاسكان والتعليم والصحة والبنى الأساسية.
إن الطابع اليساري للحكم في عدن لم يمنع رئيس الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من ان ينسج علاقة شخصية حميمة مع رؤساء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. كانت العلاقة من النوع النادر بين زعماء العالم مع سالم ربيع علي ثم مع علي ناصر محمد، تماماً مثلما كانت مع ابراهيم الحمدي في صنعاء ومن بعده مع علي عبد الله صالح.
بأي مقياس فإن طبيعة ومستوى العلاقات الشخصية بين الرموز تلقي بضلال كثيفة على العلاقات بين الكيانات التي يقودونها. وعندما تكون هذه الكيانات دولا لا بد من أن يترسخ الأمن ويتولد الاستقرار ويتعزز التعاون لتحقيق الرخاء وبلوغ الآمال المشتركة. وقد كان الشيخ زائد بارعاً ودافئاً في علاقته، وقبل هذا وبعد هذا فقد كان باذلاً وكريماً، جسوراً ونافذ البصيرة.
إن العلاقة المتينة في طابعها الرسمي انعكست بالنتيجة على الشعبين. فقد اتيح ليمنيين كثيرين أن يتعلموا في مدارس وجامعات الإمارات وبعضهم وجد الفرصة في سوق العمل وهو سوق كبير بالنظر إلى ما تشهده البلاد من تنمية خلاقة. وفي بعض الأوقات وجد الهاربون من الاضطهاد السياسي في صنعاء وعدن الأمان والحضن الدافئ في الإمارات من غير أن يتسبب ذلك في ضمور العلاقات مع السلطات الحاكمة في العاصمتين.
لقد استمر هذا النوع الفريد من العلاقات الأخوية بعد رحيل الرجل الذي أرسى أسسها حتى جاء اقتضت فيه ظروف اليمن أن تطلب من الإمارات أن تقاتل معها وأن تبذل الدم وليس المال وحده. وأجيب النداء وأقبلت الإمارات برجالها وسلاحها. وشكل ميدان المعركة في اليمن اختباراً تفوق فيه الجندي الإماراتي وأحرز نجاحاً مذهلاً وتأكد أن هذه الدولة الصاعدة لا ينقصها التفوق في أي مجال.
أثبت الجيش الإماراتي أنه على درجة عالية من التدريب وأن لديه أحدث الأسلحة وأحدث النظم العسكرية وأن تشكيلاته يتولها قادة وضباط من أكفاء من اخرجتهم الكليات والمعاهد العسكرية العلياء. ولقد أدى هذا الجيش واجبه بكفاءة وحقق انتصارات حاسمة في النطاق الذي سمحت به القيادة السياسية في اليمن.
لكن دور الإمارات العربية في اليمن لم يقتصر على بذل الدم في ساحات القتال. ففي ذلك الخضم الهائل بذل العرق وبذل المال ايضاً، وبينما كانت الأصابع على ازندة البنادق لم تتوقف المعاول عن البناء ولم تكف الايدي عن العطاء. لقد قدمت الإمارات دعوماً مادياً لليمن من خلال برامج الأمم المتحدة غير الدعوم المباشرة السخية التي تشمل الكهرباء والطاقة والتعليم والصحة والإسكان والطرق فضلاً عن المساعدات الغذائية والطبية وغيرها.
ومن أسف أن هذا الدور المحمود قوبل بالنكران والإساءة. والغريب أن الفريق الذي يشن أن الدعاية المسمومة ويقود حملة التشويه طرف أصيل في التركيبة الحاكمة للشرعية. إن الطاقة الإعلامية للإخوان المسلمين في اليمن مكرسة كلها لتحطيم صورة الإمارات. كذلك فإنهم بالدرجة نفسها يمارسون قتل الشرعية على الجبهة العسكرية. ففي حين أنهم يستحوذون على معظم التشكيلات والوحدات العسكرية الحكومية لا ينفكون يصوبون سلاحهم إلى الفصائل المحترفة من القوات الحكومية نفسها. وبسبب انشغالهم بالقوات الحكومية المحاربة فإنهم يلقون ظهورهم للحوثي ثم يزيدون ويبيعونه بعض السلاح ويسهلون أمامه تهريب بعضه الآخر. والإخوان بعد ذلك يضعون في جيوبهم عوائد مبيعات نفط مأرب وغيرها من الموارد الحكومية الواقعة تحت سيطرتهم. والنتيجة أن الممارسات السوداء لجماعات الإخوان فشلت في تشويه وجه الإمارات وتحطيم صورتها لكنها نجحت في إلحاق هزيمة مدوية بالحكومة الشرعية المعترف بها. 
إن الإخوان، للأسف، يمارسون الخيانة ضد الشرعية من داخلها. ولقد استطاعوا إدخالها غرفة الإنعاش، لكنهم حتى في الإنعاش ما يزالون يضعون السكين على رقبتها. 
وليست الشرعية وحدها. ففي عاصمة الحزم وقعت السعودية في شراكهم ايضاً حيث اخذوا الطعام والمال والسلاح دون أن يخوضوا الحرب. ولعل المملكة العربية السعودية تستحق الشفقة هذه المرة كما لم تستحقها من قبل كونها ضحية تنظيم لا يتقن سوى الخديعة. لقد ترك هذا التنظيم في الرياض العجزة الذين شاخت عقولهم وتيبست بوصفهم قادة للتجمع اليمني للإصلاح وفي الوقت نفسه رتبت أوضاع الشباب ذوي العقول اليقظة في قطر وتركيا كي يخوضوا من هناك حربهم الضروس على المملكة التي طالما أطعمتهم وآوتهم. 
وأعود إلى علاقة الإمارات باليمن فأقول إن الوشائج أقوى من أن يقطعها بصاق الذباب الإلكتروني للحزب الخائب والفاشل.
*من صفحة الكاتب على الفيس بوك

زر الذهاب إلى الأعلى