تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

الأنشطة الإجرامية لحزب الله وموقف الاتحاد الأوروبي

تقرير

الاثنين 2019/08/12 الساعة 05:31 صباحاً

 

أدرجتِ المملكةُ المتحدة في مارس 2019، “حزب الله”، في قائمتها للمنظمات الإرهابية المحظورة. وأصبحتِ المملكةُ المتحدة الدولة الثانية -بعد هولندا- داخل الاتحاد الأوروبي التي تصنف “حزب الله” بأكمله كيانًا إرهابيًا. وفي الوقتِ الحاضر، يصنِّف الاتحادُ الأوروبي، وعددٌ من الدول الأعضاء، “الجناح العسكري” لحزب الله، الذي يُعرَّف بأنه يشمل مجلس الجهاد، ومنظمة الأمن الخارجي، كمنظمةٍ إرهابية، ولكنه لا يوسّع نطاق هذا التصنيف ليشمل جميع أعضاء حزب الله.

وتستند محاولةُ تصنيف الهيكل الداخلي لحزب الله إلى فكرةِ أن الخلط بين المكونات التي تشارك في العنف الإرهابي مع “الجناح” السياسي-الاجتماعي من شأنه أن يخلق وحدة حول العناصر الأكثر تشددًا في التنظيم، ويعرقل المشاركة البناءة، وربما يربك السياسة اللبنانية، لكن أيًا من هذه الأسباب لا تقوى أمام التمحيص والتدقيق.

 هناك أدلةٌ واضحة أن ما يُشاع من أنه “انخراط مع الجناح السياسي الذي يعمل على تخفيف حدة تطرف الجماعة”، ليس حقيقيًا، فالأدلة تشير إلى تزايد الأنشطة الإرهابية لحزب الله، والشبكات الإجرامية عبر الوطنية، والاستخدام غير القانوني للقوة العسكرية على أراضي دول أخرى، وأدلة على مسؤوليته عن ارتكاب جرائم حرب وغيرها من الفظائع في سوريا.

 علاوة على ذلك، فإن حزب الله نفسه واضح جدًا في القول بأنه لا توجد لديه وحدات تنظيمية منفصلة. في عام 2012، قال متحدث باسم حزب الله بنبرة غاضبة، إن “حزب الله منظمة واحدة وكبيرة. ليس لدينا أجنحة منفصلة عن بعضها البعض”. المنظمةُ بأكملها، بما في ذلك جميع عملياتها – الإرهاب، والإجرام المنظم، ومحاولات التمدد والانتشار العسكري والسياسي والاجتماعي- تتم من خلال السلطة المركزية للأمين العام، التي يتولاها حاليًا حسن نصر الله. ومن ثمّ، فإن سعي الاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات، التي تواصل العمل على فكرة وجود أجنحة مختلفة لحزب الله، ليست مجرد خطأ تحليلي، بل تتيح لحزب الله المجال لمواصلة أنشطته الإجرامية وأنشطة جمع الأموال في أوروبا وحول العالم دعمًا لسلوكه غير القانوني.

 عند إجراءِ أي نقاش حول حزب الله، تبدأ الصعوبة في تصنيف التنظيم. واعتمادًا على الزمان والمكان، حزب الله هو مجموعة إرهابية، وفاعل سياسي، وفاعل إجرامي، عبر وطني، ومقدم للرعاية الاجتماعية في جزء منه. والأكثر إثارة للجدل، هو الجدل حول ما إذا كان الحزب هو جهة فاعلة مسلحة من غير الدول أو جزء من جهاز الدولة الإيراني.

 إن سجل حزب الله في النشاط الإرهابي الداعم لأيديولوجيته المتطرفة هو أمر لا جدال فيه، وقد كشف الاهتمام بأنشطة حزب الله في الآونة الأخيرة عن المشروع الإجرامي الضخم العابر للحدود الذي يديره الحزب، الذي يشمل في المقام الأول تجارة المخدرات، وغسل الأموال، لدعم أنشطته الأخرى.

 من جانب آخر حزب الله ممثل سياسي في لبنان: يشارك في الانتخابات، وله أعضاء في البرلمان، ويشغل مقاعد في مجلس الوزراء. من المعروف أن حزب الله هو مقدِّم الرعاية الاجتماعية في لبنان في المناطق التي لا تصل إليها الدولة الرسمية. تم وصف وجود حزب الله، الذي يتركز في جنوب لبنان، بأنه “دولة داخل دولة”، لكن هذا أقل دقة حيث يبسط حزب الله سيطرةً علنية أكبر على النظام الحكومي الرسمي.

رغم الكثير من التعتيم، فإن حزب الله جزءٌ من هيكل الدولة في جمهورية إيران الإسلامية. وباعترافِ الحزب نفسه، فإنه يتلقى الجزءَ الأكبر من دعمه المالي من الدولة الإيرانية، وهو عنصر عضوي في فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وهو كيان حكومي إيراني تصنِّفه الولايات المتحدة كيانًا إرهابيًا. وبهذه الصفة؛ أي أنه يتبع لطهران، تدخل الحزب في مخالفةٍ للقانون الدولي، في النزاع في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، وقتل وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص، فضلًا عن تقديم المشورة والدعم في مجموعة من الصراعات الأخرى في جميع أنحاء العالم.

 تثبت أعمال حزب الله في جميع أنحاء العالم أنه ليس فاعلًا سياسيًا ملتزمًا بالسلام والأمن أو ملتزمًا بقواعد النظام الدولي. ولم يجد الحزب غضاضة في التعبير عن معتقداته وأهدافه. تحتوي خطابات قادته على رفض قوي لقواعد النظام الدولي، ودعم النظام العقائدي الإيراني، الذي يضع السلطة في قبضةٍ أيديولوجية دينية لا تعترف بأي حدود. حزب الله هو جزءٌ مما يسمى “محور المقاومة” الإيراني، وعازم على إنهاء، ما يُعتبر في رأيه، النزعات الإمبريالية للولايات المتحدة وإسرائيل.

 

يعكف حزب الله على زيادة أنشطته الإجرامية، إذ هناك تقارير حديثة تفيد بأن حزب الله يواجه أزمةَ تمويل. ومن المعروف أن التمويل الرئيسي لحزب الله يأتي، تاريخيًا، من إيران. ومع ذلك، يبدو أن تشديد العقوبات المفروضة على إيران أثّرت على الحزب ودفعته إلى تعزيز جهوده في أنشطة جمع الأموال إلى جانب زيادة تطوير شبكاته الإجرامية عبر الوطنية.

 هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع الاتحاد الأوروبي لتصنيف حزب الله بأكمله كمنظمةٍ إرهابية، حتى يتمكن الاتحاد من اتخاذ المزيد من الإجراءات لإيقاف أنشطته الإجرامية، أو على الأقل إحباط إنشاء ونقل الموارد من ممارساتٍ غير مشروعة. وفي هذا الصددِ، أشار الأمينُ العام لحزب الله إلى أن تصنيف الحزب على نطاق الاتحاد الأوروبي كمنظمةٍ إرهابية سيؤثر على شبكات دعمه في أوروبا.

 إن حاجةَ الاتحاد الأوروبي لتوسيع تصنيف حزب الله الإرهابي ليشمل المنظمة بأكملها أمرٌ طال انتظاره. ولا شك أن سجل حزب الله في الأعمال الإرهابية، واتجاه القيادة المركزية نفسه، يوفر أدلة جوهرية تدعم هذا التصنيف. وتجدر الإشارة إلى أن العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب الله في أوروبا تعود إلى عام 1985 عندما اختطف طائرة كانت في طريقها من أثينا إلى روما. وفي عام 2012، تعرضت حافلة سياحية في بلغاريا لهجوم إرهابي أسفر عن مقتل ستة مدنيين وإصابة أكثر من 30 آخرين. وفي عام 2013، أدانت محكمة في قبرص شخصًا كان يعد لهجمات إرهابية في قبرص، واعترف هذا الشخص بأنه عضو في حزب الله.

 

كُشف مؤخرًا عن اكتشاف مخابئ كبيرة لمواد متفجرة في عام 2015 في المملكة المتحدة، وقبرص، ودول أوروبية أخرى وخارجها. وأشارتِ التقارير إلى أن المخابرات البريطانية تعتقد أن هذه المواد كانت مخصصة لهجمات إرهابية في المستقبل. المادة التي تم اكتشافها كانت أكثر من ثلاثة أطنان من نترات الأمونيوم، مركب كيميائي شائع الاستخدام في القنابل محلية الصنع، مما يجعل من الصعب استنتاج أن المادة يجري تخزينها لأغراضٍ أخرى.

 علاوة على ذلك، قدمتِ التقارير الأخيرة الصادرة من أجهزة المخابرات الألمانية معلوماتٍ مستفيضة عن أنشطة حزب الله في ألمانيا وأوروبا. تغطي هذه التقارير مجموعة من الأنشطة غير المشروعة لشبكة إجرامية متنامية تسللت إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لدعم أنشطتها الإرهابية وغير القانونية.

 

تصنيف الاتحاد الأوروبي لحزب الله كمنظمة إرهابية من شأنه أن يعرقل التطور المستمر للسلوك غير المشروع. ومن شأنه أن يؤدي إلى فرض حظر السفر، وقيود على النشاط الاقتصادي للحزب. وهذا لن يمنع الاتحاد الأوروبي من الانخراط مع حزب الله. ورغم أن هذا التصنيف يعرقل مجموعةً من مساعي حزب الله لجمع الأموال في جميع أنحاء أوروبا، فمن غير المرجح أن يؤثر على الوضع الإنساني في لبنان. إضافة إلى ذلك، فمن شأن الجوانب المالية للتصنيف، أن تحول دون وصول عائدات الجريمة إلى الحزب، ويؤمل أن تقودَ إلى تعزيز جهود العدالة الجنائية لإنهاء النشاط الإجرامي عبر الوطني للحزب في أوروبا، وعلى الصعيد العالمي.

 وكما يتضح من خلالِ مشاركته في سوريا، فإن حزبَ الله يصرّ على زيادةِ أنشطته العنيفة والمزعزعة للاستقرار، فيما يسلك الاتحادُ الأوروبي نهجًا تصالحيًا تجاه الحزب.

 إن عدم رد الاتحاد الأوروبي على أنشطة حزب الله غير المشروعة، يُبقي خيارَ التمويل مفتوحًا أمام الحزب. من ناحيةٍ أخرى، فإن أي اعتقاد بأن حزب الله يشارك في نظام حكم برلماني منتخب ديمقراطيًا في لبنان، سوف يسهم في تقليص الأنشطة الإرهابية والإجرامية لبقية مكونات التنظيم هو اعتقاد مضلل للغاية. فليس هناك أملٌ في أن يتخذ حزب الله موقفًا سياسيًا مختلفًا. أما فيما يتعلق بالخرافة القائلة بأن حزب الله له أجنحة مختلفة، يتعين الاستماع إلى تصريحات الحزب نفسه. ومن الواضح أنه لا يهتم إلا بتعزيز الأهداف المتطرفة لـ “محور المقاومة” – سواء من خلال أنشطة مشروعة أو غير مشروعة.

 ولعل موقف حزب الله “المعادي للإمبريالية” ضد الولايات المتحدة، وإسرائيل، يُفسّر أسباب انجذاب السياسيين الأوروبيين إلى التنظيم، أو التعاطف معه، أو الرغبة في التغاضي عن أنشطته. غير أن هذا الأمر يحتاج إلى تفكير من قبل أي شخص يدّعي أن الحزب مشروع بطريقة أو بأخرى أو أنه يقدم مساهمة إيجابية في السلام والأمن على الصعيد العالمي.

 يعتمد أي ادعاء، من هذا القبيل، على قبولِ أن النشاط الإجرامي والإرهاب والاستخدام غير المشروع للقوة هي قواعد سلوك مقبولة إلى حد ما، لكنها ليست كذلك.

 وختامًا، يمكن القول إن الطريقة الأكثر فعالية لعرقلة المنظمات الإجرامية الإرهابية، وعبر الوطنية، هي استهداف أنشطتها المالية، وتجفيف منابعها. إن تصنيف حزب الله على نطاق الاتحاد الأوروبي، كمنظمةٍ إرهابية، هي خطوةٌ في الاتجاه الصحيح.

 

 

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص