تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

حيث مات البطل هلال.. اليزيدي يحكي طرقات اليمنيين في التسلل سباحة إلى إسبانيا "تفاصيل مؤلمة"

محمد اليزيدي

2019/09/22 الساعة 10:45 مساءً

 

أعتذر لأمي، اعتذر لها بحجم الكون. فقد أقسمت لها أني لن أدخل البحر عند دخولي إلى إسبانيا، لا ولن تكون طريق البحر ضمن حساباتي بالخالص.. كانت تقول: اجلس عندك يا بن الذين ولا تدخل البحر.. اجلس حتى سنة سنتين في المغرب ولا تدخل بحرا.. ولتتأكد من ذلك تعود لتقول لي: احلف لي ما تدخل البحر.. وأحلف لها.. وندخل في حديث آخر.. وتعود لتقول: زد احلف ما تدخل البحر، وأحلف.. وأضحك، فتشتمني وتوبخني.. كانت تشعر أني لا آخذ بكلامها وأني لست مهتماً بنفسي كما تريد هي، كأم، في الوقت الذي لم يكن يقلقني شيئا سواها، سوى قلقها وخوفها علي.. لم يكن يشغل بالي شي سواها في حال تعرضت لمكروه.. وهكذا، كان لديها شعور بأني سأسافر بحراً.. كان لديها شعور أكثر مني.. لم أكن اتوقع حقيقة أني سأدخل الأراض الإسبانية بحرا.. وقد كان علي أن أطمئنها بأي شكل من الأشكال. وفي الحقيقة أني كنت أحاول أن أتجنب البحر، لكني، في لحظة ما، وجدت نفسي مضطرا لإنهاء هذا المشوار بأي طريقة!

بنفس الطريقة التي غرق بها هلال، ومن نفس المكان. والفرق هو أني وصديقي أيمن مجمل اليافعي سبحنا ما يقارب السبعين إلى الثمانين مترا حتى وصلنا إلى الشاطئ، وهذا كان مخالفا لما اتفقنا عليه طبعا، لكن البحر كان هادئا، وهو الجميل في ذلك، بينما هما، هلال وأكرم، تم إنزالهما على بعد خمسة عشر مترا من الشاطئ فقط، إنما أن البحر كان هائجا، وهو ما قضى على هلال، وصعّب من نجاة رفيقه أكرم.

من يعرف ذلك المكان الموحش سيعرف كيف صارع هلال الموت بين الصخور وفي الزغاطيط التي شكلتها وضعية تلك الصخور.

تم ردم الشاطئ بصخور ضخمة حتى أصبح الشاطئ كله عمقا ناهيك عن كونه ضيقا بحيث تصبح خيارات الصعود أمامك محدودة. فحتى، مثلا، وأنت تمسك بالصخور، فإنك لا تستطيع أن تقف على قدميك، لأنه لا يوجد شيء تضع قدمك عليه. ستمسك بالصخرة بأطراف أصابعك وتبقى معلقا فوق الماء. وأن تسبح إلى مكان تجد فيه صخرة تجد عليها مقبض جيد لتمسك به هي مسألة حظ، ذلك أنها صخور ضخمة، من زاوية، ومليئة بالطحالب، من زاوية أخرى، وعندما تضع يدك او رجليك عليها تتزحلق وكأنك في سباق تزلج.

وحين يهيج، يصبح الفرد مجرد ريشة تتلاعب به الأمواج وتضرب به عرض الصخور ذهابا وإيابا كما تشاء، ولا حول له ولا قوة.

كنا ثلاثة، إنما أن رفيقنا الثالث، عدنان العقاب، رفض القفز من القارب. لأن المسافة لم تكن هي المتفق عليها، فعاد من حيث أتى. وكنا الثلاثة نمتلك الحق في ان نرفض القفز ايضا، لكنا كنا قد قررنا إنهاء هذا المشوار الطويل بأي ثمن. كنا نريد أن نصل إلى نهاية لهذا المشوار. في تلك اللحظة كنت مقتنعا، قناعة تامة، بالدخول في أية محاولة، بأي طريقة، وبأي ثمن، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء قليلا ربما لما قفزت من القارب، من تلك المسافة، على الأقل. لربما بعد أن رأيت الموت بأم عيني. فليس سهلا أن تسبح سبعين مترا في البحر وبكامل ثيابك، وانت بعيد عن الرياضة والسباحة منذ سنوات، وخصوصا وأننا لم نأخذ في بالنا هذه المسافة، فلم نحتط بسترات نجاة ولا شيء... واقسم أني في لحظة ما فقدت القدرة على الحركة من شدة التعب وقررت أن استسلم للبحر وأغرق، ولست أدري كيف وصلت للشاطئ!

كنت اسبح وانظر ورائي نحو أيمن المتأخر عني كثيرا وكنت أشعر أنه قد توقف وعلى وشك الغرق. في اجزاء من الثواني والدقائق شعرت ان شريط حياتي كله مَرّ عليّ. حينها كنت أهم في أن أعود إليه لأساعده وننجو إن استطعنا أو أن نغرق سويا. لكن لم يكن بمقدوري سوى الهروب إلى الأمام، وصلت إلى الشاطئ وأنا فاقد الحركة؛ كنت حينها أشعر أنه تم بتر أطرافي من جسدي. لم أعد أحس بها من شدة الإنهاك. لم أعد أشعر أن لدي كتفين ورجلين.. لقد فقدت الإحساس بجسدي وبقيت أسبح وأقاوم بقلبي.. مع ذلك بقيت على الحافة أتثبت بأطرافي على الصخرة أنتظر أيمن حتى اقترب مني، تركت الصخرة واقتربت منه ومددت له يدي وسحبته إلى الصخرة، لنصعد سوياً.

لا أستطيع أن أصف تلك اللحظة؛ لحظة ملامسة يدي للصخرة في الظلام. كان ظلاماً، ولم نكن نرى الأشياء بوضوح. إنها الولادة من جديد، أو كمن يخرج من الجحيم إلى الجنة، أو ما أشبه!

صعدنا إلى ظهر الصخرة؛ وهناك استلقيت على ظهري وفردت ذراعي كصليب منحور لنصف ساعة تقريباً، لنأخذ نفساً، كنت أشهق وأزفر بشكل عجيب وأنا شبه فاقد للحركة والوعي وكأني في لحظة تخدير... لم أكن أشعر بشيء حولي، كان هدير البحر يصعد من داخل رأسي، وكانت الأرض تدور بي...

وفي المقابل كنا ننتظر وصول ثالثنا عدنان. إلى حينها لم نكن نعلم بمصيره ولا بأنه عاد من حيث أتى بالقارب. ظنناه قفز بعدنا ولكننا لم نجد له أثراً. بقينا نترقب كاللصوص في منطقة خطرة جدا، خطرة حتى بعد الصعود من البحر، فهناك يتواجد أحيانا شفّارة "لصوص سيئون جدا، لصوص مدمنون عادة ما يكونون مدججين بأسلحة بيضاء" والذين لا يرحمون، ويا ما تشفر "تشلح" على أيديهم الكثير والكثير، بل وتعرضوا لاعتداءات بما فيها الطعن، وخصوصا من الواصلين الجدد، لأنهم يعتقدون أنهم يأتون وجيوبهم مليئة بالفلوس، وجميعهم، الشفارة، من المهاجرين طبعا.

بعد مضي ساعة تقريبا من الانتظار والترقب على الصخور، دونما أثر لعدنان، قلت لأيمن إما أنه قد غرق أو أنه لم يقفز وقد عاد من حيث أتينا. فما الذي علينا فعله؟ لم يكن بأيدينا شيء لنفعله أصلا. قلق وحيرة!

في تلك اللحظة ذكرت أن لدي هاتفا صغيرا في جيبي، هو هاتف صديقي صدام جراب، غلفته بغلاف ضد الماء ووضعته في جيبي. كان لدي إحساس أننا سنحتاج هاتفا! أخرجته واتصلت بصديق في المغرب ونحن تحت الصخرة، حتى لا يرى أحد ضوء الهاتف، والحمدلله أنه اخبرنا أن عدنان لم يقفز، وأنه قد عاد من حيث أتى سالما. وهنا عادت إلينا أنفاسنا التي كادت أن تنقطع.

حينها شددنا أحزمتنا وتقافزنا على الصخور، مسافة ثلاثمائة متر، حتى دخلنا إلى المدينة.

_______

 

لم أكن أريد الكتابة عن هذا الموضوع. كنت أريد أن أحتفظ به لنفسي... وحتى لا يصل الخبر لأمي، فما زالت لا تعرف بأني دخلت إسبانيا بحراً، ولو عرفت فإنها الحرب، حتى وقد مر شهر تقريباً على يوم الدخول. إنما أن حادثة هلال أعادتني إلى ذلك اليوم وجعلتني أدونه بهذه الكلمات البسيطة.

 

*نقلاً عن صفحة محمد اليزيدي في (الفيس بوك)

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص