تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

الدوحة 2022.. منتخب رقيق كروي

محمد طعيمة

الخميس 2019/09/26 الساعة 04:48 صباحاً

 

أعلنت الدوحة “تميمة” مونديال 2022 الذي تستضيفه، ما يعني أن الحدث الرياضي الأبرز يدق الأبواب. وحان أوان التدقيق في تعهد أندرياس بلايشر، المدير الرياضي لأكاديمية اسباير القطرية، لـ”دويتش فيلة” الألمانية يناير 2012، “بأن قطر ستدخل كأس العالم 2022 بفريق وطني رائع وبلاعبين قطريين”.

تعهد مستحيل ويناقض قوانين الطبيعة، ويشي مبكرا بـ”نصباية” قادمة. فجوهر المسابقات الرياضية الدولية منذ خطواتها الأولى هو تنافس بين قدرات شعوب وأمم.

 

“دويتش فيلة” وصفت، 10 يناير 2012، أسباير بـ”المشروع الرياضي الأكبر من نوعه دوليا”. مضيفة “تنفق قطر بسخاء عليها، ابتلعت ما يتجاوز بكثير مليار دولار. ألف موظف من 55 دولة، أطباء ومدربون وقمم رياضية سابقة. مدرسة خاصة، ومستشفى كبير وستاد كرة قدم يتسع لخمسين ألفا و14 ملعبا فرعيا، وأكبر صالة رياضية مكيفة في العالم، وحمامات سباحة وساحات متنوعة وفندقين. ترعىى تسعة آلاف رياضي، بينهم 250 مقيما”. و”تنظم سنويا لقاءات لاكتشاف المواهب الكروية في 14 دولة بإفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأقصى، وتختبر سنويا ما متوسطه 600 ألف طفل في 950 مكانا. ويحصل أفضل عشرين منهم على منح للدراسة فيها، ليصبحوا محترفين دوليا”.

 

لم يقصد بلايشر في تعهده، “الفائزين” بكأس آسيا الأخيرة، فهؤلاء “ورق لعب” شبكة التجنيس المؤقت، يحملون جواز سفر مهمات تسحب منهم فور انتهاء أدوارهم. وسواء كان التجنيس دائما أو مؤقتا، فهو “قَطَريا” لا علاقة له بحالة منتخبات الغرب مثلا. فهذه ليس بها متجنسين، بل مواطنين اكتسبوا الجنسية، واندمجوا مجتمعيا، ومروا بالفرز المهني، ليصبح أحدهم عسكريا أو سياسيا أو رياضيا، لكنه لم يُجنّس لتغطية نقص طبيعي في مجتمع ما. بلايشر تجاوز التجنيس إلى الرقيق.

 

حين خطط الحَمدان، بن خليفة وبن جاسم، نهاية التسعينات، لاختراق خرائط الرياضة الدولية، أكثر الأنشطة شعبية، كانا يدركان أن الخامة البشرية لن تسعفهما، لا تراكما حضاريا وجينيا ولا حجما، ومنتخبهما لكرة اليد بلاعبي 11 بلدا، أو وفق وصف “لوموند” الفرنسية “فيلق مرتزقة، يرفع اسم قطر”، استفاد من سماح اتحاد اليد الدولي للاعب بتمثيل البلد الذي يكتسب جنسيته، حتى لو للعب، قبله لمنتخب آخر. لكن الفيفا يلزم اللاعب بمنتخب واحد، الذي مثّله أول مرة.

 

والمجتمع القطري يستحيل وفق قوانين الطبيعة أن يفرز منتخبا جماعيا عالميا، في أي لعبة. تتكتم الدوحة على عدد مواطنيها كسرّ حربي، والتقديرات تتمحور حول مئتي ألف نسمة، أعلاها 230 ألف مواطن. ما يعني أن خزينها البشري، محل الفرز، قوته 115 ألف ذكر، بمن فيهم الرُضع والشيوخ.

 

جريدة العرب القطرية نقلت، يوم 27 مايو 2019، عن محاضرة لشهراد طاهري، الأستاذ في كلية وايل كورنيل للطب بالدوحة، أن 76.6 بالمئة من السكان يعانون من البدانة، و42 بالمئة منهم ضحايا للسمنة المفرطة. ونسبت للبروفيسور عبدالبديع أبوسمرة، مدير المعهد الوطني للسكري والسمنة بقطر يوم 24 سبتمبر 2019، أن 30 ألف مواطن مرضى بالنوع الثاني من السكري، وأن 10 آلاف قطري في دائرة النوع الأول منه. أضف لهم مرضى الكبد والقلب والسرطان ومتحدي الإعاقة.. إلخ.

 

بحثنا فلم نعثر على رقم لممارسي كرة القدم القطريين، لمقارنة الفرز المُتوقع بـ13.15 مليون برازيلي، يمارسون اللعبة، 7.6 مليون ألماني، 2.4 مليون أميركي. وجنوب أفريقيا 280 ألفا، الجزائر 150 ألفا، نيجيريا 95 ألفا، ومصر 90 ألفا. ففي العالم الثالث يمثل المُسجلون 2.00 بالمئة من ممارسي اللعبة، (المستشار الفني للفيفا، ندوة بدبي، السبت 2 يونيو 2013).

 

مع معطيات حجم السكان ونسب المواهب المتوقعة والحالة الصحية العامة بدا الأمر ميؤوسا منه، لم يقترح أحد “نداهة” الرياضية. و”النداهة” هي “عفريتة” وفق التراث الشعبي المصري، تسحر الشباب وتأسرهم لـ مص دمائهم.

 

تأسست أكاديمية أسباير/ النداهة، بقرار من ولي العهد تميم بن حمد عام 2004، رسميا لتفي “باحتياجات المجتمع القطري”، وتحقق “طموحاته في المنافسات الرياضية إقليميا وعالميا”. وعين إيفان برافو، المدير السابق لاستراتيجيات ريال مدريد، رئيسا لها. وباطنيا، لرصد وجذب مواهب صغيرة، لتعيش في قطر منذ طفولتها. كما طلب رافو. ووفق توضيح بدر جاسم، مدير التعليم وشؤون الطلاب بالأكاديمية لـ”تنشئة جيل رياضي يتبنى القيم الدينية والمجتمعية العليا لمنع استيراد الأفكار التي تزعزع المجتمعات”، (قنا، 25 يونيو 2019). وضمن باطنيا التمهيد لخطف المونديال، وزكت خبرة بلايتشر كرئيس لأكبر مركز أولمبي ألماني، ليكون الرجل الثاني في أسباير وعراب إغراء أصوات المكتب التنفيذي للفيفا بطرق مختلفة، رصدها محقق الفيفا مايكل جارسيا في تقريره عن فساد ملف الدوحة.

 

كان واضحا منذ البداية أن القرار هو “استجلاب” أطفال من أفريقيا الفقيرة، (نيويورك تايمز، 21 يوليو 2014)، التي تُصدّر لساحات الاحتراف 24 بالمئة من لاعبيها. وحسب الجريدة الأميركية لجأت الدوحة إلى جوسيب كولومر، مُكتشف ليونيل ميسي، ليقود فريقا ضخما لرصد البراعم السمراء، وإغراء عائلاتها بنقلها لقطر وضمها لأسباير، والتجنس مبكرا. في أول سنة اختبر الفريق 430 ألفا، في 595 موقعا بـ7 بلدان أفريقية، ثم آسيا وأميركا اللاتينية، مُستكشفا ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل خلال 7 أعوام.

 

لم تحدد الصحيفة حجم “مبيعات” أطفال القارات الثلاث، لكن برافو قال إنه تسلم أطفالا بين 14 و18 عاما، ليفرز منهم مئات الدوليين، (الفرنسية، 26 ديسمبر 2013). المئات تعني، وفق قوانين الفرز، أن آلافا انتزعوا من أوطانهم وتغيرت هوياتهم.

 

لم تشبع “النداهة”، طالت أذرع أخطبوطها عشرات البراعم المصرية من الأندية المحلية وأوروبا. ونشرت الوطن القاهرية، في عدد 21 يونيو 2016، قائمة بهم وبوثائق تجنيسهم. “قطر، سرطان كرة القدم”، هكذا وصف الرئيس السابق للاتحاد الألماني، ثيو تسفانتسيجر، ما تفعله الدوحة (الفرنسية، 3 يونيو 2015).

 

“السرطنة” لم تقف عند كرة القدم، فآخر دفعاتها ضمت تسعة تخصصات: 14 كرة قدم، 10 ألعاب قوى، 3 مبارزة، 4 تحكيم كرة القدم، 3 جمباز، 3 غولف، 2 إسكواش، واحد تنس طاولة، واحد رماية. بعضهم يحمل ميداليات قارية وأولمبية.

 

بعد خطف كأس آسيا الأخيرة، تباهى تميم بأن 70 بالمئة من الفائزين به من كوادر أسباير. وكشف ماجد الخليفي، رئيس تحرير “إستاد الدوحة”، لدويتش فيلة 4 فبراير 2019، أن الأكاديمية “تعد منتخب الشباب لأولمبياد طوكيو 2020، وأن ستة لاعبين جدد منها، على الأقل، سيلتحقون بمنتخب قطر استعدادا للمونديال”.

 

الدوحة التي خصصت 200 مليار دولار كتكلفة أولية لاستضافة المونديال، (مؤسسة ديلويت، مجلة تايم، 10 يوليو 2013)، ردت على انتقادات فوزها بعُرسه، بأنها “عنصرية ضد العرب والمسلمين” (بن جاسم لفوكس نيوز، 31 مايو 2015)، لهذا تجاوزت الحدود العنصرية لتلعب في مونديال القدم بمنتخب رقيق كروي.

 


*كاتب مصري

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص