تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

لطفي بوشناق: أنا اليمني هذا البيت بيتي "حوار هام مع الفنان التونسي حول اليمن"

تونس: مهيب زوى

الجمعة 2019/10/04 الساعة 09:19 مساءً


“هل تنتظر لطفي بوشناق؟”، ببساطة يسألك – مبتسمًا – بائع الورود في مدينة أريانة في تونس.. ستخجل من سؤاله كيف عرف ذلك؛ لكنك ستدرك كثيرًا مدى ارتباط هذا الاسم وحضوره بوجدان الناس هنا في تونس.. وفي اليمن يحضر الفنان لطفي بوشناق مُلهمًا.

منذ مرحلتي السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي شهدت الأغنية الوطنية اليمنية ركودًا واضحًا، إذ تعود أهم الأغاني الوطنية لجيل الفنانين الكبار والإنتاج الفني الذي مضى عليه قرابة نصف قرن.. وعندما أطل المطرب العربي التونسي لطفي بوشناق بأغنيته، كان اليمن قد دخل أخطر مرحلة في تاريخه منذ انقلاب الحوثيين على السلطة في 21 سبتمر 2014، لتصبح أغنية “أنا اليمني يا وجع اليماني” الأغنية الأكثر ارتباطًا بوجدان الشعب اليمني وتتصدر مشهد المسيرات في لافتات كبيرة.

يقول الفنان التونسي لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم: “أنا اليمني.. ليست مجرد أغنية أنتجتها من أجل الشعب اليمني الذي أحبه، بل هي ابتهال صادق مني لهم، وأثق أن اليمن سيتجاوز محنته ويطل فجره من جديد”.

وأنشد شعرًا: ” سيطلُّ فجرك يايمن ويضيء من خلف المحن.. صنعاء عذبني الهوى وأذوب عشقًا ياعدن”.

 

 

 

 

في منزله بمنطقة أريانة تونس، استقبلنا الفنان لطفي بوشناق بعد أن أخذني وصديقي أسامة بسيارته من أمام محل بائع الورود الذي حياه مبتسمًا، ونمضي للمنزل في الشارع الخلفي، وهناك، لن يتحدث إليك في أي شيء قبل أن تذوق الشاي البوشناقي – كما يسمية – والذي سيتركك قليلًا ليُعدَّه لك بيده، إن سألته عن طريقة إعداد الشاي البوشناقي سيخبرك مبتسمًا إنه سرٌ خاص، ويضيف باللهجة التونسية بود:” ما ننجمش نقلك عليه، على خاطر لازم تعود لتتذوقه مرة أخرى”.

 

يمن العرب

قبل 13 عامًا أحيا خمسة فنانين عرب عيد الوحدة السادس عشر (22 مايو 2006 ) في الحديدة و أدوا أوبريت يمن العرب: لطفي بوشناق، علي الحجار، إيهاب توفيق، عبد الله رشاد ومحمد عمر، إضافةً إلى ثلاثة فنانين يمنيين: فؤاد الكبسي، رويدا رياض وأروى.. فبدا بوشناق هو اليمني الوحيد على المنصة أمام الجماهير، مرتديًا ثوبه الأبيض متمنطقًا الخنجر اليمني (الجنبية) – التي ما يزال محتفظًا بها في منزله- ما زاد اليمنيين إعجابًا به وبشخصيته العفوية وانفعاله هو يشدو مفتتحًا الأوبريت: ” يا أرض الكرامة عبر الزمن .. يا أرض الطهارة عبر السنين”.

يقول بوشناق لـ أنسم: ” كانت تلك زيارتي الأولى لليمن، حرصت خلالها أن أعيش جو اليمني، أن أرتدي رداءهم وأنا أحتفل معهم بعيد وحدتهم، فأول شيء فعلته فور وصولي اشتريت ثوبًا وجنبية وشالًا أضعه على رأسي، تمامًا مثل اليمنيين المرتبطين بتراثهم”.

“مازلت أحتفظ بهم حتى اللحظة”، أضاف باعتزاز.

 

ذكريات يمنية

للطفي بوشناق الإنسان، روح مختلفة وذاكرة يعتز بها وحريص على ألا تحتفظ ذاكرته إلا بكل شيء جميل مرَّ عليها، وعن زيارته لليمن سيخبرك أنه لأول مرة يتذوق أكل الموز المغمس بالعسل، سيحدثك عن وجبة الفحسة بإنائها الحجري ويصفها بـ تلك الوجبة التي عليها حاجة بيضاء (يقصد الحلبة).

” كانت زيارة تاريخية بالنسبة لي، وإلى يومنا هذا أحمل أجمل ذكريات لهذا الشعب الذي أكن له الإحترام والتقدير لبساطته وتواضعه، وعظمته، وتحدياته وحسن الاستقبال، والحاجة اللي شدتني في اليمن تمسك اليمنيين بعاداتهم بشكل يثير الاعجاب في لبسهم قعداتهم مأكلهم في أعراسهم”، قال.

وأضاف:” أجمل ذكرياتي التي أحتفظ بها جاءت معي من اليمن، دأنا اتعلمت أكل الموز بالعسل، دي أحلى حاجة تعلمتها ومازالت ترافقني حتى اللحظة.. يكفي أن أقول إن اليمن بلد عسل”.

واستدرك بوشناق: “ماذا أقول عن اليمن، ليس أنا من سيحكي عن اليمن بل تاريخها يحكي”..

 

الفن اليمني

وخلال مسيرته الفنية لم يكتفِ بوشناق بغناء اللون الذي خطه لنفسه وألحانه إلا أنه ايضًا خاض تجربة مع الأغنية والألحان اليمنية،: ” لليمن فن مميز ومختلف وإن لم أكن مخطئًا فاليمن هو مصدر الإيقاعات التي نعرفها”.

وأضاف لـ أنسم: “علاقتي بالفنانين اليمنيين جيدة وكانت تربطني صداقة قوية مع الفنان أبو بكر سالم رحمه الله، أبو بكر حبيبي وعشيري وخويا و هو من أعظم الفنانين الذين عرفتهم الساحة الفنية العربية وشخصية تحبها بالسيف (رغمًا عنك)، أبو أصيل، لا تستطيع إلا أن تحبه بتواضعه، بفنه، بالإيقاعات والألحان اليمنية التي قدمها بشكل مميز والحس الذي تميز به”.

وتابع:” وكانت لي تجربة مميزة مع الموسيقار اليمني أحمد فتحي، وهو لحن من لي أغنية ليلى و أغنية كلما جن الدجى وأغاني أخرى، أعتقد عملت شريط كامل من ألحانه”.

وعن سبب قلة حضور الأغنية اليمنية عن المشهد الفني يرى بوشناق أن الإعلام قصر كثيرًا تجاه الأغنية اليمنية وانتشارها إلا أنه رغم ذلك “الأغنية اليمنية وإيقاعاتها مؤثرة في المشهد الفني العربي عموما والخليجي خصوصًا”.

“لابد من توجه دولة لدعم هذه المشاريع،  لابد من أوركسترا وفرق فنية ومسارح ومهرجانات، الفنان لوحده أيش تحبه يعمل”. قال بوشناق.

 

عن بوشناق

يقول الصحفي منصور هايل: ” لقد أنعش الفنان التونسي لطفي بوشناق المشاعر القومية والوطنية في اليمن وأعاد إنعاش الأغنية الوطنية بأغنياته التي انتشرت على نطاق واسع في عموم اليمن” .

فيما يقول الصحفي عبد العالم بجاش: “ما بعد أغاني أيوب والمرشدي الوطنية جاءت أغاني لطفي بوشناق بفاصل زمني يقارب 50 عام، كما جاءت أغنيته “انا اليمني” في أخطر مرحلة دخلتها البلاد منذ عام 2014″،

 

بوشناق.. صدفة خيرٌ من ألف ميعاد

 

 

 

لبوشناق – المولود بحي الحلفاوين الشعبي بتونس العتيقة عام 1954-  شخصية مميزة وكاريزما خاصة سواءً على المسرح أو في منزله أو في تعامله مع الناس، يجعلك تشعر بأن أبًا حنونًا تقف إلى جواره ولا تمل من النظر إليه وهو يتحدث، سيخبرك ببساطة أنه لم يكن يخطط للغناء ” الوالد متاعنا كان عسكريًا وجدي كان عسكريًا أيضًا وكان من المستحيل إنك تفكر بالغناء أو تأتي بسيرته، فقد كانت العقلية و الفكرة السائدة عند الناس أن الفنان هو البوهيمي والعربيد”.

في الـ 15 من عمره التحق بالمعهد الرشيدي للموسيقى بتونس العتيقة ، وتتلمذ على يد الموسيقار الراحل علي السريتي -أحد أشهر الموسيقيين – وتعلم منه مبادئ الغناء والعزف وطرق التحكم في الصوت.

وفي السبعينات التحق بدار الثقافة ابن خلدون تحت إشراف أستاذه توفيق الذويوي الذي لمس فيه موهبة الغناء.. يقول بوشناق للبوابة اليمنية الصحافة الإنسانية – أنسم: ” كان الأستاذ بتاعنا حاسس بيا وقاعد ينتظر الفرصة لأجل يقدمني للجمهور”.

وتابع:” كانت الصدفة هناك في قلعة الأندلس – 40 كم عن العاصمة تونس – في حفل خيري كان سيحييه الفنان عادل الشواشي لكنه تغيب لأسباب صحية، حينها اغتنم أستاذي الفرصة ودفعني بقوة للصعود على المسرح”.

” كانت صدفة ومن يومها وأنا أغني للآن” قال باعتزاز.

ويتذكر بوشناق  الأغنيات التي غناها حينها وهي “لأجل النبي” للفنان محمد الكحلاوي و”يا بهية”، وفي عام 1979 غنى أول أغنية خاصة به “جرى إيه للدنيا ياناس” ألحان الفنان المصري أحمد صدقي، انتقل بعدها مطلع الثمانينيات لمصر للعمل كرئيس فرع للخطوط الجوية التونسية مواصلًا اهتمامه بالفن والفنانين.

للفنان لطفي بوشناق إلى جانب صوته القوي ومساحاته العريضة، خط فني مختلف ومميز ينتسب لمدرسة الغناء التطريبي الذي أصبح خارج إهتمام السوق، إذ مايزال يحافظ عليه، وفيه شكل لونه الخاص وشخصيته الغنائية المميزة التي مزجت بين الأغنية الحديثة والتراث الصوفي والابتهالات والموشحات وغيرها من فنون الطرب، لذا تجد المسحة الروحانية دائمًا في أدائه.

يقول لـ أنسم: ” الغناء صوفي أو لا يكون روحاني.. ما المعنى! لأجل أن توصل رسالتك وتجعل الناس تنتشي وتصعد بهم للدرجة الثانية لابد أن تكون أنت قد صعدت لهذا، و باختلاف المواضيع سواءً غنيت للوطن أو للقضية أو للناس وهمومهم أو أي موضوع كان، لابد أن تكون صادق، فالصدق أساس الروحانية”.

ويعتبر  لطفي بوشناق من أشهر الفنانين العرب الملتزمين بفنهم لخدمة القضايا وهموم الإنسان، غنى لفلسطين والعراق وسراييفو ولتونس والثورة واليمن، وغنى للإنسان الكثير منها: صياد، خباز ومواطن.

 

 

*نقلا عن البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم

*تصوير: أسامة المطري

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص