تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

ماذا يعني انتقال التواصل الاجتماعي إلى العالم الافتراضي؟ "كيف ستصبح حياة البشر؟"

سلام سرحان

2019/10/06 الساعة 05:04 صباحاً

 

لا يمثل كشف موقع فيسبوك الأسبوع الماضي عن شبكة اجتماعية جديدة قائمة على الواقع الافتراضي، مجرد خبر عابر، لأنها تشكل منعطفا هائلا تمتد آثاره إلى جميع تفاصيل الحياة على هذا الكوكب، بل ستؤدي في نهاية الأمر إلى هجرات جماعية للعيش في العوالم الافتراضية.

لا يمكن مقارنة موجة نزوح من هذا النوع، بما حدث في العقدين الماضيين مع شبكات التواصل الاجتماعي الحالية، التي غيرت طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد أن استقطبت معظم سكان العالم.

بطبيعة الحال، لن تحدث ثورة النزوح بين ليلة وضحاها، رغم أن حدوث قفزات تكنولوجية مفاجئة وكبيرة في قدرات النظارات والعوالم التي تبنيها، يمكن أن يقلب جميع التوقعات التي يمكن أن ننسجها حاليا.

في العالم الافتراضي، لن يقف الأمر عند التواصل مع الأهل والأصدقاء. وفي المديين القريب والمتوسط سوف يتسابق كثيرون لخوض تجارب مع أصدقائنا، أكثر إثارة من حياتنا الواقعية، تشمل التجول في الغابات والبراري ومدن العالم بجميع التفاصيل كما لو كنا هناك دون مغادرة غرفة نومنا.

أما في المدى البعيد فسوف نهاجر للعيش في مدن افتراضية لها قوانينها ووظائفها وأملاكها وأموالها، بعد أن تتلاشى مظاهر الحياة في شوارع المدن وتزحف الأتمتة على معظم أدوارنا ووظائفنا الحالية.

سنتسابق في بناء مدن شبيهة بمدننا الحالية وأخرى تفترض خيالات علمية وكواكب أخرى، لكني أرجح أن تكون المدن، التي تشبه الحياة فيها مدن القرون الماضية وبضمنها العصور البدائية، الأكثر استقطابا للسكان.

 

 

فيسبوك تفتح الأبواب

 

 

إعلان فيسبوك في الأسبوع الماضي لم يقترب من تلك الافتراضات، واكتفى بالقول خلال مؤتمر مطوري الواقع الافتراضي إن شبكة فيسبوك هورايزون Facebook Horizon الافتراضية، ستكون متاحة لمستخدمي نظارة أوكولوس كويست Oculus Quest ومنصة أوكولوس ريفت Qculus Rift عن إطلاقها في العام المقبل.

حجم الإعلان الجديد وتوقعات نجاحه يتناسبان مع انشار استخدام موقع فيسبوك الحالي، حيث يصل عدد رعايا تطبيق التواصل الاجتماعي إلى أكثر من ملياري مستخدم، أي أنها أكبر إمبراطورية في العالم.

وقالت شركة فيسبوك إن بناء الشبكة الافتراضية استند إلى “ما تعلمناه حتى الآن بشأن المساحات والمجتمعات الافتراضية، وأن هورايزون تعد الخطوة الأولى نحو عالم آخذ في التوسع من التواصل والاستكشاف حيث يصبح أي شيء ممكنا”.

وفي بداية الدخول إلى هذا العالم الافتراضي، سيكون على المستخدمين تصميم الشخصية الافتراضية التي تناسبهم من مجموعة من خيارات الشكل والجسم، ثم استخدام البوابات الشبيهة بالسحر، التي أطلقت عليها تيلبودز Telepods، التي سوف تنقل المستخدمين من المساحات العامة إلى عوالم جديدة حافة بالمغامرة والاستكشاف.

 

وأوضحت فيسبوك أنه سيكون بإمكان المستخدمين لاحقا بناء عوالم خاصة باستخدام أدوات باني العالم World Builder وهي مجموعة من أدوات الإنشاء السهلة الاستخدام التي لا تتطلب أي معرفة سابقة بالبرمجة.

وحاولت فيسبوك طمأنة القلقين من آفاق هذه العوام بالقول إنها سوف توفر أدوات أمان وإرشادات للبشر أطلقت عليها سكان هورايزون المحليون Horizon Locals من أجل حماية المستخدمين في هذا العالم الافتراضي.

 

وأعلنت أنها تعتزم في إطار استعداداتها لإطلاق شبكة فيسبوك هورايزون العام المقبل، إغلاق خدمتي فيسبوك سبيسز Facebook Spaces وأوكولوس رومز Oculus Rooms في 25 أكتوبر الجاري.

 

وذكرت أن شبكة فيسبوك هورايزون تمتاز بأنها توفر للمستخدمين إمكانية استكشاف أماكن جديدة وممارسة الألعاب وبناء المجتمعات، وحتى الدخول في تجارب شخصية جديدة.

ويمكن للمخيلة أن تأخذ إعلان فيسبوك إلى مديات بعيدة من خلال عبارات مثل “بناء المجتمعات” و”تصميم الشخصيات التي تناسب المستخدمين” و”سكان هورايزون المحليون” و”نقل المستخدمين من المساحات العامة إلى العوالم الافتراضية”.

 

هجرة جماعية

 

 

في مستقبل ليس بعيدا ستصبح حياة الكثير من البشر في العالم الافتراضي أهم بكثير من حياتهم الفعلية. ستكون لهم أدوار ووظائف وأملاك في مدن افتراضية أكثر إثارة وحيوية من المدن الحقيقية، التي ستذوي نشاطاتها التقليدية شيئا فشيئا.

 

وبعد أن تسرق التكنولوجيا معظم الوظائف، سيجد شخص عاطل عن العمل ويعيش في غرفة صغيرة، حياة كاملة ومثيرة في مدينة افتراضية. قد ينجح في امتلاك عمارات أو تسلق السلطة ليصبح عمدة المدينة أو رئيس شرطتها أو مجرما خارجا على سلطاتها وقوانينها الافتراضية.

 

ستكون حياتنا في تلك المدينة أكثر واقعية وتشويقا من حياتنا الفعلية. سنعيش حفلات باذخة “نشعر” جميع ملذاتها بإثارة تفوق المتاح في حياتنا الفعلية التي ستصبح باردة ومملة.

أدوارنا في تلك المدن والعوالم الافتراضية ستكون مختلفة تماما عن أدوارنا في الواقع. قد يجد شخص ناجح في الحياة الواقعية نفسه في دور هامشي في العوالم الافتراضية، وقد يصبح طفل صغير حاكما أو مجرما كبيرا هناك.

 

التعامل سيكون مع أشخاص حقيقيين بمشاعر حقيقية. ستكون المنافسة أشرس والمكافآت أكبر وكذلك العقوبات التي تصل إلى الطرد والإقصاء من تلك المدن. وقد يعيش البعض في أكثر من عالم افتراضي واحد.

 

لم يعد هذا الحديث من نسج الخيال العلمي منذ سنوات واتسعت آفاقه بعد الإعلان عن قرب إطلاق شبكة فيسبوك هورايزون الافتراضية. ويمكن أن يتسارع إيقاع الرحيل إلى تلك العوالم في أي لحظة إذا ما تم الكشف عن قفزة تكنولوجية كبيرة تفتح أبواب الهجرة الجماعية.

 

ولم تعد الهواتف الذكية ترضي طموحات شركات التكنولوجيا لتحقيق الأرباح، وهي تتسابق الآن للبحث عن اختراق نوعي يلهب حماس المستهلكين، الذين لم تعد الإضافات الهامشية في الهواتف الذكية تثير فضولهم وتدفعهم لشراء أحدث طرازاتها.

 

وهناك مؤشرات منذ سنوات على أن نظارات الواقعين الافتراضي والمعزز، ستكون ميدان القفزة الجديدة. وقد ينقلها ابتكار مفاجئ إلى مدار آخر يغير حياتنا بدرجة تفوق جميع ما حدث في تاريخ البشر بآلاف المرات.

 

وتشير محصلة آراء الخبراء إلى أن نظارات الواقع الافتراضي بدأت تتجاوز مرحلة كونها تقليعة هامشية باهظة الثمن، وبدأت تنتشر كوسيلة ترفيه منافسة بعد أن دخل عليها العامل الاجتماعي، أي التعامل مع انفعالات بشر حقيقيين.

وستتحالف العوالم الافتراضية مع انتشار الذكاء الاصطناعي والأتمتة في قتل الوظائف وإقصاء دور البشر في القطاعات الاقتصادية وتقوض قطاع السفر والسياحة ونشاط المتاجر والمقاهي والمطاعم ليصبح العالم الافتراضي هو المكان الأكثر إثارة من حياتنا الباردة.

 

الرواد والمتأخرون

في النصف الملآن من الكأس سنقول إن هذه التحولات ستكون مدمرة لحياتنا، لكن أجيالا جديدة ستجدها غاية في المتعة والإثارة، وستشعر بالشفقة على من يحن إلى الحياة المادية التقليدية.

سيتدفق العشرات وربما مئات الملايين عبر بوابات العالم الافتراضي ليتفاعلوا مع أشخاص مثلهم بمشاعر “حقيقية” دون أن يغادروا مقاعدهم. ستكون هناك قواعد وقانون وقيم أخلاقية، لكنهم سيكونون أقدر على انتهاكها وارتكاب جرائم افتراضية كبيرة دون الكثير من الخوف والتردد.

 

سيكون هناك أشخاص ضعفاء في الواقع وربما جبناء لكنهم جبابرة في ذلك العالم وأشخاص أقوياء يتعرضون للاضطهاد والسخرية والإساءة بسبب عدم قدرتهم على التأقلم والنجاح ضمن قوانين وقواعد المدن الافتراضية.

 

ستبدأ التداعيات الاجتماعية والاقتصادية بالزحف تدريجيا، حين تتزايد أعداد من يقضون معظم أوقاتهم في عوالم افتراضية. وسيكون أولئك هم الرواد الأكثر نجاحا في تلك العوالم.

 

ربما علينا الحذر من التأخر في الهجرة لأن أرصدتنا ستكون صغيرة حين نصل متأخرين، فنكون في الهامش ولا نتمكن من منافسة الرواد الأوائل.

 

وكان مؤسس ورئيس الشركة مارك زوكربيرغ من أوائل المراهنين على العوالم الافتراضية وقد أكد مرارا أن “الواقع الافتراضي سيكون المنصة الأفضل والأنسب لتلبية رغبات الناس، لأنه يضعهم في المركز ويجعلهم يشعرون وكأنهم هناك فعلا مع غيرهم من الناس”.

 

وكان قد ذكر في العام الماضي أننا “سنعيش قريبا جدا في عالم يتمكن فيه الجميع من المعايشة المشتركة بمشاهد تشعرك وكأنك في قلب المشهد الحقيقي فعلا”.

 

وأضاف “تخيلوا كيف سيتاح للجميع الجلوس مع أصدقائهم في أي وقت في البراري حول نار مخيم أو مشاهدة فيلم سينمائي من الواقع الافتراضي… تخيلوا كيف ستتمكن مجموعة من عقد اجتماع عمل في أيّ مكان في العالم دون مغادرة مكاتبها”.

 

تعبيد طرق الهجرة

بالتزامن مع الإعلان عن شبكة هورايزون، كشفت فيسبوك الأسبوع الماضي خلال مؤتمر مطوري الواقع الافتراض، عن عدد من الخدمات التي تهدف إلى تعزيز قدرات نظارة الواقع الافتراضي أوكولوس كويست. وقالت إنها أجرت سلسلة من التحديثات البرمجية على النظارة لتحسين التجربة الكلية لمستخدمي أوكولوس كويست، التي أطلقتها في مايو الماضي، وأحدثت نقلة نوعية في عالم الواقع الافتراضي.

 

ومن بين المزايا الجديدة أوكولوس لينك Oculus Link التي تسمح للمستخدمين بوصل النظارة بالكمبيوتر الشخصي للتمتع بالألعاب في منصة أوكولوس ريفت.

 

ولتسهيل مشاهدة الأفلام والعروض التلفزيونية عن طريق نظارة أوكولوس كويست، قالت فيسبوك إنه سيكون بإمكان المستخدمين إيقاف ميزة التعقب الخاصة بالنظارة يدويا من قائمة الإعدادات، وذلك بغية تمكينهم من استخدام النظارة في الغرف المعتمة.

 

ومن أهم المزايا التي أُعلنت عنها فيسبوك، إمكانية التحكم بنظارة الواقع الافتراضي أوكولوس كويست عن طريق اليد فقط، دون أذرع تحكم أو مستشعرات خارجية أو قفازات.

 

وقالت فيسبوك إن ميزة التحكم تلك سيتم إطلاقها في العام المقبل مع إطلاق شبكة هورايزون. وسوف تعتمد النظارة حينها في فهم حركة إيماءات اليد على الكاميرات الخاصة بها، وعلى تقنية التعلم العميق، ثم نقل تلك الحركات إلى العالم الافتراضي.

 

ومهما كانت فوائد وإغراءات هذا العالم الجديد، فإنه سيقذف الكثير من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، التي قد لا يستطيع الإنسان التأقلم معها، فتؤدي إلى هزات عنيفة للمجتمعات تؤثر على بقائنا، الذي لا مفر منه للرحيل إلى العالم الافتراضي.

 

وقد تؤدي لانقسام البشرية بين مجتمع يعيش في العالم الافتراضي، وآخر يعيش في الهامش، وقد تظهر أيديولوجيات وعقائد تتناقض وتتصارع بسبب موقفها من ذلك العالم الافتراضي.

 


*كاتب وإعلامي من العراق مقيم في لندن

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص