تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

مؤسسات حكومية تسهل التحكم الإيراني بسوق النفط الحوثية (موسع)

سهيل القادري

السبت 2019/10/12 الساعة 08:05 صباحاً

 

تعاني مناطق سيطرة الحوثيين أزمة مشقات نفطية ما تكاد تهدأ حتى تعود مجدداً، كما هي هذه الأيام، يرجع هؤلاء، مثل كل مرة، أسباب الأزمة الخانقة الأخيرة إلى منع التحالف العربي وصول سفن محملة بالمشتقات من الخارجٍ إلى ميناء الحديدة الواقع ضمن مناطق سلطة صنعاء الانقلابية، لكن بإمكان الحوثيين إيجاد بدائل تخفف معاناة الناس، وفق ما يرى مهتمون، خصوصاً وأن وطأة ندرة المشتقات تنسحب على كلفة المعيشة من ارتفاع أسعار النقل ومختلف السلع والخدمات، في وقت خسر معظم اليمنيين منابع دخلهم في ظل مصادرة المليشيا الحوثية المرتبات لصالح تمويل حربها.

أسئلة أخرى مرتبطة بالموضوع: لماذا يمنع الحوثيون تجار المشتقات من تموين محطاتهم من المناطق المحررة؟ ولماذا أعادت المليشيا لشركة النفط بعض دورها النفطي كوسيط بين تجار التجزئة ومستوردي المشتقات؟ ولماذا خولت كاك بنك توفير العملة الصعبة لتمويل النفط المستورد؟

هذه وأسئلة أخرى تجيب عليها السطور التالية:

 

ميناء الحديدة

تحقق إيرادات تجارة المشتقات النفطية عائدات لخزينة السلطة الحوثية تتجاوز 30 مليار ريال شهرياً، حيث تصل عائدات اللتر الواحد نحو مئة ريال تتوزع ما بين تعريفة جمركية، وضريبة مبيعات، ومجهود حربي، ودعم كهرباء، وعمولة شركة النفط، باعتبار أن الاستهلاك اليومي في مناطق السيطرة الحوثية يبلغ، على الأقل، عشرة ملايين لتر، بجانب مبالغ أخرى –غير رسمية- تتقاسمها، حسب مصادر، قيادات حوثية والتجار، في حال مقارنة الأسعار بالسعر العالمي الحالي للبرميل، أو الأسعار في مناطق محررة.

هذه المبالغ يمكن تحصيلها بصرف النظر عن مصادر المشتقات النفطية، سواءً أكانت عبر ميناء الحديدة أم غيره من المنافذ اليمنية خارج السلطة الحوثية، على أساس تجارب الجباية التي يتقنها الحوثيون، كفتح مراكز جمركية، أسوة بما هو حاصل في البضائع الواردة إلى مناطق سيطرة الحوثيين من مناطق محررة، غير أن معلومات مؤكدة تشير إلى حجز المليشيا عشرات المقطورات التي تحمل مشتقات نفطية قادمة من سيئون في مراكز جمركية حوثية منذ شهور دون السماح لها بالعبور حتى مع استعداد أصحابها دفع رسوم جمركية مجدداً.

إذن، لماذا يصر الحوثيون على الاقتصار على ميناء الحديدة رغم أن الاستيراد من الخارج يستنزف الموجودات النقدية من العملة الصعبة في مناطق سيطرتهم، الشحيحة أصلاً، وما يتبع ذلك من خطر اقتصادي قد يصل إلى العجز الكامل عن توفير العملة الأجنبية اللازمة لتغطية فواتير استيراد المواد الضرورية لملايين السكان بينها المواد الغذائية، والمشتقات النفطية، التي لا غنى عنها لقطاع النقل والقطاعات الخدمية الأخرى؟

يكمن الجواب في أن الحوثيين لا يسلكون مسالك رجال الدولة، إنما يقصرون سياساتهم على مصالحهم الخاصة، كمليشيا وأفراد، ومسار بناء اقتصاد موازٍ تحسباً لأي تطورات سياسية مقبلة، قد تكون التسوية أحد خياراتها المحتملة.

في الآونة الأخيرة، توالت تصريحات ناطق الحوثيين محمد عبدالسلام بشأن منع دخول سفن المشتقات النفطية إلى الحديدة، تحت خطاب الإشفاق على الشعب اليمني، بينما تتحدث مصادر عن ضلوع عبدالسلام وعدد من قيادات المليشيا الحوثية في تجارة النفط منذ قرار ما يسمى اللجنة الثورية العليا تعويم تجارة النفط، واستبدال شركة النفط المسؤولة، سابقاً، عن الاستيراد والتوزيع برجال أعمال.

وقتها ضم تجار معروفون في وسط الأعمال بالبلد إلى نشاطاتهم التجارية استيراد المشتقات النفطية، وتعاملوا بحسن نية مع قرار التعويم كحالة اقتصادية بحتة، ما حدا بالمليشيا إلى مضايقتهم ومن ثم إزاحتهم ليخلو سوق المشتقات الداخلي من منافسين لتجار الموالاة، والواجهات لعناصرها.

 

كيف يتم الشراء؟

مع استكمال سيطرة الحوثيين على معظم المحافظات اليمنية، وبدافع المضي في بناء امبراطوريتهم الاقتصادية الخاصة، ركزوا على نشاطات تجارية سريعة المردود وبنفس الوقت قليلة الكلفة، عالية الربح، فاتجهوا لتجارة الآثار والمخطوطات، والمضاربة في سوق صرف العملة وتوسيعها بشكل لافت، بيد أن تجارة النفط كانت في المقدمة لعوامل من أهمها ارتباطها بسوق الصرافة من جهة، ولإمكانية الحصول على أسعار تفضيلية من إيران، كوجه من أوجه الدعم للمليشيا التابعة لها.

أوكل الحوثيون التجار الموالين، والواجهات، استيراد المشتقات النفطية، ثم الغاز المنزلي في وقت لاحق، والتعامل مباشرة مع تجار التجزئة وسوق الصرافة.

تغيرت هذه السياسة عند تحرير أغلب الجغرافيا اليمنية، مع بقاء الكتلة السكانية، وبالتالي الاستهلاكية، الأكبر ضمن مناطق السيطرة الحوثية، فلجأت المليشيا إلى ممارسات احتكارية، أضافتها لإزاحة التجار الحقيقيين، وأغلقت السوق في مناطقها في وجه المنافسين بأحزمة جمركية محيطة تضاعف كلفة الاتجار من غير منفذ الحديدة، وبالنتيجة يضطر التجار غير الموالين إما للانسحاب أو استخدام ميناء الحديدة.

بالنسبة للمشتقات النفطية، إلى جوار السياسة الاحتكارية، أعادت المليشيا إلى شركة النفط دوراً يتمثل في تولي وساطة مزدوجة بين المستوردين وتجار التجزئة، وكذلك بين الأولين وسوق الصرافة عبر "كاك بنك" لتكتمل حلقات اضطلاع جهازي الشركة والبنك الحكوميين بما يشبه غسل الأموال للحوثيين.

تتولى فروع الشركة في محافظات السيطرة الحوثية جمع ثمن المشتقات من تجار التجزئة (ملاك المحطات) مقدماً، وتوردها إلى فروع كاك بنك التي تقوم بدور شراء العملة الصعبة وتسليمها عبر الشركة إلى تجار الاستيراد لتمويل مشترياتهم النفطية، لكن بعد إيصالهم الشحنات إلى ميناء الحديدة، لتقوم الشركة باستلام الكميات النفطية وتوزيعها.

بحكم انعدام الموجودات النقدية من العملة الصعبة لدى كاك بنك أو البنوك الحكومية الأخرى، فإن البنك يتجه إلى سوق الصرافة، فيدخل مع الشركة مضاربين في سوق العملة بالنيابة عن المليشيا، مستفيدين من الفارق الزمني بين استلام المبالغ من تجار التجزئة بالريال وتسليمها بالدولار لتجار الاستيراد، في ذات الحين الذي يستفيد منه صرافو المليشيا في سوق العملة.

 

نفط إيران المجاني

تطورت سياسة الاحتكار الحوثية لسوق المشتقات النفطية، ولاحقاً الغاز المنزلي، فبعد أن كانت تصل نحو مئة مقطورة نفط، ما بين 5 إلى 6 ملايين لتر، يومياً، من سيئون، حتى بدايات العام 2017، قررت المليشيا عدم الاكتفاء بالمراكز الجمركية التي استحدثتها حول مناطق سيطرتها، لتمنع نهائياً دخول كميات نفطية تجارية عبر المناطق المحررة، لأسباب مهمة، متعلقة بسوق الصرافة، والاحتكار التام، إلا أن من بين العوامل المهمة الأخرى ما هو متصل بمشتقات النفط المجانية أو المخفضة الآتية من إيران.

ينكر الحوثيون المساندة الإيرانية، تفادياً لإحراج أولياء نعمتهم في طهران أمام المجتمع الدولي وقراراته العقابية بحق المليشيا الانقلابية.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن من الصعب العثور، بإمكانيات محلية، على وثائق تثبت قطعاً تزويد إيران للحوثيين بمشتقات نفطية، غير أنهم أوضحوا أن الملاحظ في كثير من الأحيان، تكرار نقل فروع كاك بنك في المحافظات مبالغ مالية كبيرة، مخصصة لتمويل شراء المشتقات النفطية، إلى البنك المركزي بصنعاء، بينما كان المفترض بفروع كاك بنك شراء العملة الصعبة من المحافظات، ما يعني وفق المصادر، بشكل قاطع، أن هناك كميات نفط مجانية بين المشتقات المستوردة، وفي هذه الحالة تكون إيران هي الأقرب والأقدر على تموين المليشيا، في ظل افتقار الأخيرة حلفاء خارجيين قادرين على تمويلها. إلا إذا أخذنا قطر ومليشيا الحشد الشعبي العراقي بالحسبان. لكن الحشد الشعبي من السهل فضح أمره لوجود قوى عراقية غيره في سلطة بغداد، ولعدم امتلاكه علاقات إيران الخارجية، وخبرتها في الاحتيال على العقوبات الدولية. أما قطر، رغم بقاء احتمالية مساندتها النفطية للحوثيين، إلا أن علاقاتها مع أطراف معادية للحوثيين من جهة، وإدراكها صعوبة الخروج الكامل عن المظلة الخليجية، وحرصها على سمعتها الدولية مقارنة بإيران، تقلص مساحات فرص دعمها النفطي للحوثيين، مع عدم استبعاد أشكال مساندة أخرى.

تستطيع المليشيا الحوثية إيجاد بدائل لنفط ميناء الحديدة، إذا جعلت مصالح اليمنيين الواقعين تحت سلطانها قبل مصالحها، وإذا تصرفت قياداتها كرجال دولة لا كعناصر عصابة.

 

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص