تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

مهرجان القاهرة السينمائي يفتح دفاتر الحنين

الجمعة 2019/11/29 الساعة 05:58 صباحاً

 

 

يعتبر المخرج العراقي السويسري سمير جمال الدين واحدا من أهم المخرجين العاملين في سويسرا، وقد تميز أساسا في مجال السينما التسجيلية فقدّم عددا كبيرا من الأفلام من أشهرها فيلم “انسى بغداد.. يهود عرب- الرابطة العراقية” (2002)، الذي اقتحم في وقته مجالا جديدا بجرأة وتميز كبيرين. وكان هذا الفيلم تحديدا يعكس اهتمام مخرجه، الذي ينتمي إلى أب عراقي كان عضوا في الحزب الشيوعي العراقي واضطر إلى مغادرة العراق عام 1961، وأم سويسرية، بالبحث في جذوره العراقية، بحنينه الدائم إلى بغداد، المدينة التي ولد ونشأ فيها، وبالعلاقة بين العراق والعالم، وبين العراقي والآخر.

هذا الهم المتجدّد، أو بالأحرى “البعد الشخصي” في السينما التي يصنعها سمير، تجلى فيما بعد في عمله الملحمي التسجيلي الكبير “أوديسة عراقية” (2014). كان هذا الفيلم نموذجا لسينما البوح الشخصي المباشر، التي تتمتع بالجمال والرونق والحب والحنين، تستدعي من الذاكرة وتمزج الحاضر بالماضي. وفيه كان سمير يتوقف ليتساءل: كيف كان ممكنا أن يحدث كل ما حدث؟ كيف انتهى الأمر بنا وقد أصبحنا محاصرين داخل تلك الدائرة الجهنمية من العنف والقتل والدماء والكراهية المشتعلة والممتدة داخل الوطن الواحد؟

من خلال تاريخ العائلة التي ينتمي إليها، كان سمير يروي تاريخ العراق الحديث، ويسلط الأضواء على ما أصابه من نكبات ونكسات، بتركيز خاص على “الدياسبورا” العراقية، أي أفراد العائلة الذين هاجروا واستقر بهم المقام في بلدان العالم المختلفة بين أستراليا إلى الولايات المتحدة.

 

 

بين بغداد ولندن

هذا المدخل ضروري قبل تناول فيلم سمير الجديد “بغداد في خيالي” الذي يعرض ضمن مسابقة الأفلام العربية في مهرجان القاهرة السينمائي. إنها المرة الأولى التي يطرق فيها سمير جمال الدين بوابة الفيلم الروائي، بعد مسيرة حافلة في السينما التسجيلية. وكما في الفيلمين السابقين هو أيضا، يستند إلى ما يختزنه في ذاكراته عن العراق، عن الأهل والعائلة والأصدقاء من الأجيال المختلفة، والانتماءات الدينية والسياسية المتعارضة، يروي من خلال هذه الشخصيات دراما الحالة العراقية في المهجر، مع حنين لا يفتر ولا يذوي، إلى “بغداد” التي كانت دائما في خياله وستبقى.. بغداد الماضي السعيد.

تقوم الدراما على محاور عدة يتناول من خلالها سمير بعض الجوانب المسكوت عنها في الثقافة العراقية خاصة والعربية بوجه عام، منها الفكرة الشائعة عن المثلية الجنسية (يسمونها في الفيلم الشذوذ الجنسي كما تأتي عادة على اللسان العربي)، ومنها أيضا مسألة المرأة، والنظرة المتدنية إليها بوجه خاص إن هي تجرّأت وأقدمت على إقامة علاقة عاطفية مع شاب ينتمي إلى المجتمع الآخر الذي هاجرت إليه وترغب في ترسيخ وجودها فيه، فكيف ترتبط وهي المسلمة بشخص هو “الآخر” صاحب الصورة النمطية المستقرة مسبقا في الوعي العربي؟ كما يصوّر الفيلم قضايا تتعلق بالتطرف الديني وحالة الضياع الفكري التي تصيب بعض الشباب تحت تأثير الدعاة المتطرفين الذين يسيطرون على المساجد (كما نرى في الفيلم)، والاتجاه إلى العنف والجريمة.

من خلال قصة تدور أحداثها وسط مجموعة من العراقيين المقيمين في العاصمة البريطانية لندن، يتطرّق الفيلم إلى هذه القضايا وغيرها أيضا، ويستند أيضا إلى الماضي ويصوّر كيف يلقي بظلاله على الحاضر، فلدينا على سبيل المثال وسط هذا “المجتمع العراقي الصغير” في لندن، شخصية ضابط سابق في المخابرات العراقية في زمن صدام حسين، يطارد زوجته السابقة التي هربت منه إلى الخارج ويهدّدها بالقتل إن لم ترجع إليه، وبفضح علاقتها بالشاب البريطاني أمام الجميع من أبناء الجالية العراقية، ولكنها تهدّده من جهتها بكشف ماضيه الاستخباراتي باستخدام وثائق في حوزتها. وهي قصة شديدة الصدق والإقناع، فكثير ممّن لجأوا إلى بريطانيا بعد سقوط نظام صدام كانوا ممّن خدموا هذا النظام وكانوا جزءا منه ومارسوا القمع والقتل أيضا!

 

المرأة، أي الزوجة السابقة التي تقوم بدورها ببراعة الممثلة العراقية زهراء غندور، كانت تعمل مهندسة معمارية في العراق، لكنها أصبحت الآن ساقية في مقهى يمتلكه عراقي في لندن. وقد اختارت لنفسها اسم أمل بينما سنكتشف أن اسمها الحقيقي هو سهير، كما تنكر هويتها كمسلمة وتقول لحبيبها البريطاني إنها مسيحية.

وفي الفيلم شخصيات تنتمي إلى الشيعة والسنة والمسيحيين والأكراد. أما صاحب المقهى الذي أطلق عليه “أبو نواس” فهو في الأصل كاتب وشاعر، وكان قد تعرّض في الماضي للتعذيب في العراق، لكنه خرج من السجن بموجب اتفاق أو “صفقة” ما يلقي الفيلم بظلال من الشك عليها، ويصوّر لنا شعوره الخفي بالذنب، فنحن نفهم أنه ربما يكون قد باع شقيقه وخطيبة شقيقه ووشى بهما للسلطات.

 

مصائر غامضة

علاقات تتحطم، وعلاقات أخرى تنكشف، ومصائر غامضة أو دامية تصل إليها بعض الشخصيات، في سياق سينمائي ينتقل أحيانا بين الماضي والحاضر، وبين التحقيق الذي تجريه الشرطة البريطانية في جريمة قتل بدافع ديني، وبين الأحداث التي أدت إلى وقوع الجريمة.

 

وكعادته يستخدم سمير الأغاني العراقية الشعبية التي يعرفها من الماضي، ويسترجع صور مطربات ومطربي الماضي الجميل الذين يظهرون على شاشة التلفزيون داخل المقهى، كما يتعامل بحنين بالغ مع فكرة المقهى العراقي وكيف أنه لا يزال يتذكر عصره المزدهر في بغداد.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وطأة التأثير الديني على فكر الكثيرين وكيف ينظرون على سبيل المثال إلى المثليين، بل وكيف يحرص البعض على إخفاء ميوله المثلية لا يجرؤ على التصريح بها، ومع ذلك يصوّر مشاهد شديدة الجرأة لهذه العلاقات كما لم نر من قبل في فيلم عربي.

قد تكمن مشكلة سياق السرد في تعدد الشخصيات، والقصص الكثيرة المتشعبة، وتفاصيل أخرى تتفرع من داخل القصص الأصلية، مع انتقالات غير مترابطة بين الأماكن، والجنوح في النصف الثاني من الفيلم ناحية الميلودراما مع الكثير من التنميط والمبالغات واستخدام حوار يفتقد إلى التلقائية والطبيعية، ويبدو كما لو كان يعبّر عن أفكار نظرية لدى المخرج، يود التعبير فيضعها على ألسنة تلك الشخصيات. ولم يكن الانتقال بين اللغتين العربية والإنكليزية موفقا فليس من المعقول أن يتخاطب العراقيون بالإنكليزية فيما بينهم إلاّ مع الجيل الثاني الذي ولد ونشأ في بريطانيا.

ورغم هذه الملاحظات وغيرها، فالتجربة تفيض بالحميمية والصدق والرغبة في اكتشاف الذات والهوية، وتصوير تلك الحيرة التي يجد فيها العراقيون أنفسهم في المهجر، ليس فقط بسبب شعورهم بالغربة عن الواقع الجديد الذي يحاولون الانتماء إليه، بل بسبب سيطرة الثقافة الموروثة على أفكارهم ونظرتهم للعالم وللآخر وهو ما يصعب كثيرا التخلص منه. وسمير جمال الدين في هذه النقطة تحديدا، يعرف تماما ما يقصده ويصوّره.

 

استعادة شريط الحياة

لا يوجد ما يمنع أن يصنع الفنان فيلما عن نفسه وعن حياته، شريطة أن يتمكن من الربط بين الخاص والعام، وبين الشخصي والموضوعي، وأن يمتلك قبل كل شيء، رؤية لأبعاد العمل وبنائه بحيث يخرج لنا في النهاية عملا متماسكا يخلو من الارتباك والتكرار ويخلو من الفراغات والثرثرة.

وهذا هو تحديدا ما يعيب الفيلم التسجيلي “احكيلي” رابع الأفلام التسجيلية للمخرجة والمنتجة السينمائية المصرية ماريان خوري، وهو الفيلم الوحيد الذي اختير لتمثيل السينما المصرية في الدورة الـ41 من مهرجان القاهرة السينمائي.

المشكلة الثانية هي أن الفيلم التسجيلي الحديث لم يعد يختلف كثيرا عن الفيلم الروائي الخيالي، فقد أصبح يستند إلى بناء قصصي أيضا، أي أنه يجب أن يكون لديك تصوّر أو رؤية لبناء الفيلم بحيث يمكنك أن تسحب المتفرج معك وتشده إلى عالمك وعالم القصة التي ترويها بتفاصيلها التي تختارها بدقة وعناية.

 

هذا الجانب القصصي المتماسك غائب عن فيلم ماريان خوري الذي يعاني من الترهل والتفكّك وقدر كبير من العشوائية في المونتاج، اعتمادا على استناده إلى مقاطع قديمة نادرة من المقابلات والتسجيلات والصور، منها مقابلات مسجلة غالبا على شرائط فيديو عتيقة، مع عدد من أفراد عائلة ماريان، مثل شقيقيها إيلي وجابي، وعمها المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين، وعمتها، وابنتها، وجدتها. ولا شك أن الصور الفوتوغرافية القديمة بالأبيض والأسود التي توفر منها الكثير من “ألبوم” العائلة وتظهر فيها والدة ماريان وجدتها اللتان تركتا تأثيرا كبيرا عليها، من أفضل ما شاهدنا في هذا الفيلم.

ولكن ما هو الموضوع، أو ماذا تريد ماريان خوري أن تقول لنا أو تصوّر لنا أو تعرض لنا، وما هي الفلسفة التي تكمن وراء الصورة، أو خلاصة بحثها الشاق عن الذات وعن الهوية، خلال حياة عائلتها التي تعود أصولها إلى لبنان؟

لا أظن أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون في صالح الفيلم. صحيح أن هناك الكثير من المشاهد المؤثرة عاطفيا التي تسترجع فيها ماريان علاقتها بأمها، وهجرها لزوجها الأول الذي لم تستطع أن تتعايش معه، ثم محاولتها فهم ابنتها المراهقة المتمردة التي تبدو مستنفرة، عدوانية، توجه الكثير من الأسئلة وكأنها تحقّق وتدين وتصدر أحكاما.

وسنفهم فيما بعد أنها تعاني أيضا مثل ماريان نفسها، من أزمة هوية تتحدث عنها بإسهاب أمام الكاميرا. فهي لا تعرف ما إذا كانت مصرية أم فرنسية، تشعر بالاغتراب في مصر، تنتمي كما تقول إلى عائلة غنية في مجتمع فقير، لا تتحدّث لغة البلد الذي ولدت فيها إلاّ بصعوبة ولا يمكنها كتابة كلماتها، حاولت أن تعيش في فرنسا ولكنها انتهت إلى كوبا.

وكما كانت ماريان تشعر في طفولتها أن والدتها لم تهتم بها كما كان ينبغي، يراوض ابنتها سارة شعور مماثل. ولكن ما علاقتنا نحن المشاهدين بكل هذه التفاصيل والصور والحكي الذي لا يتوقف لحظة واحدة وكل تلك الشروح والاعتراضات والتدخلات والمقاطعات؟

 

إيلي، شقيق ماريان يقول لها في أحد المشاهد الأولى من الفيلم: لماذا تصوّرين فيلما كهذا؟ ما الذي يهم الجمهور من أشياء شخصية تماما؟ ماريان بالطبع ترى أن وجود يوسف شاهين في الفيلم من خلال تلك المقابلة النادرة التي أجرتها معه (باللغة الفرنسية بكل أسف!) سيضفي عليه قيمة ما.

وهي تنجح في الربط بين حياة شاهين الخاصة وعلاقته بوالدته، وبين ما يصوّره في بعض أفلامه التي نرى منها بعض المقاطع مثل “عودة الابن الضال” و”حدوتة مصرية” و”إسكندرية ليه”. ولو كان الفيلم قد سار على هذا المنوال في الجمع بين حياة الفنان وأعماله السينمائية لكان قد أصبح لدينا عمل متفرد. إلاّ أن الفيلم في الحقيقة ليس عن شاهين، بل عن ماريان وابنتها تحديدا، وبحث ماريان الممتد عن الهوية وهو السؤال الذي أغفلته طويلا ربما، بحكم انهماكها الكبير في العمل منذ أن تولت مسؤوليات الإنتاج في شركة أفلام يوسف شاهين (مصر العالمية).

هناك دون شك تلقائية كبيرة مثيرة للإعجاب في مشاهد المقابلات مع أفراد العائلة، ولكن يظل هناك الكثير من الفجوات والقفز فوق بعض الأحداث بحيث لا يمكننا القول إن ماريان تروي حقا قصة العائلة من خلال علاقتها بالتطورات السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر منذ أن جاءت عائلتها إلى مصر في أوائل القرن العشرين، فهذا طموح كبير تخذله المادة التي استعانت بها وهي في معظمها شخصية من أرشيف العائلة بما في ذلك تسجيل صوتي لمقابلة أجراها يوسف شاهين مع والدته، ثم لقطات لماريان داخل مستشفى لندني قبل إجراء عملية جراحية لها لاستئصال ورم سرطاني.

لا أفهم لماذا جاءت لقطات المقابلة التي أجرتها ماريان مع ابنتها سارة محصورة داخل ذلك الإطار الضيق الخانق كأنها صوّرتها بكاميرا التليفون المحمول. ولم تصبح الصورة “طبيعية” إلاّ بعد أن تبادلت الاثنتان الأدوار فأصبحت سارة هي التي تصوّر ماريان وتوجه لها الأسئلة.

وبوجه عام أدهشتني كثيرا رداءة الصورة في الفيلم أو ربما خذلت آلات العرض الفيلم في حين أنني شاهدت العرض في دار السينما التي تستأجرها ماريان خوري منذ فترة وسط القاهرة وتعرض فيها الكثير من الأفلام الفنية، كما تقيم بانوراما الأفلام الأوروبية سنويا بنجاح كبير.

 

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص