تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

تقرير: كوالالمبور.. قمة تفكيك العالم الإسلامي وإحياء الإخوان "ثنائية إخوانية فارسية"

ماهر فرغلي

الاربعاء 2019/12/25 الساعة 07:58 صباحاً

 

تحت شعارات توحيد الصف الإسلامي ونشر "الرسالة الإسلامية الحقيقية إلى العالم"، اجتمعت في العاصمة الماليزية كوالالمبور في 18 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، دول ساهم بعضها بنشر الفوضى في العالمين؛ العربي والإسلامي، وإدخاله في صراعات طائفية.

المفارقة التي حملتها القمة، التي عقدت على مدار أربعة أيام، أنّ إيران وتركيا وقطر، أبرز الحاضرين في القمة، ما تزال ترعى وتمول جماعات متشددة كالميليشيات الحوثية وحزب الله والحشد الشعبي والإخوان، وتسببت بهذا المشهد المضطرب في كثير من الدول، هي نفسها ادّعت أنّها ستتغلب على ظاهرة "الإسلاموفوبيا"، وستنشر توضيحات حول ما أسمته "الإسلام الحقيقي"، وستناقش المصاعب والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي، الأمر الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام وأهمها: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الثنائية الإخوانية الفارسية؟ وما هي الأهداف من ذلك؟

 

 

ثنائية إخوانية فارسية

في هذه القمة حضر، وفق وسائل الإعلام، ما لا يقل عن 150 شخصية إخوانية من المغرب وموريتانيا وتونس وليبيا والجزائر ولبنان والحركة الدستورية الكويتية، وإخوان تركيا وأوروبا، والإخوان المصريون المقيمون بإسطنبول، وباكستان، وإخوان اليمن ممثلين في حزب الإصلاح، الذين التقى بعضهم مع الوفد الإيراني لتنسيق التفاهم مع الحوثي، وحتى من خارج جماعة الإخوان حضر سلفيون مثل سلفية السودان (أهل السنة والجماعة)، كما حضر من المغرب (جماعة العدل والإحسان)، إضافة إلى زعماء الدول الأربع الرئيسية؛ ماليزيا وتركيا وإيران وقطر.

لم يكن غريباً الحضور الإيراني بهذه القمة؛ فهناك توافق قطري تركي مع طهران في عدد من الملفات، أهمها الكثير من التقاطعات التي يُفهم منها مناصبة المنطقة العربية العداء، ومن هنا قدّمت الدوحة الداعمة للإخوان الدعم من أجل حضور روحاني، كما أعطت فرصة نادرة وخدمة مجانية عبر دعمها لمقترح الرئيس الإيراني في القمة إطلاق عملة إلكترونية للتعاملات المالية، وتقاسم النفوذ بين ثنائية الإسلام السياسي؛ السنّي والشيعي.

وتأتي هذه الثنائية مكمّلة لخطوات أخرى تتعلق بمحاولة إخراج قطر وإيران، في ذات الوقت، من عزلتهما، عبر توطيد العلاقة بمحاور إقليمية، واقتصار قمة ماليزيا على أربع دول، بينها إيران، يرجح أنّ الهدف هو محاولة لإيجاد متنفس لطهران التي تتعرض لأقسى عقوبات منذ العام 1979، وكسر عزلتها السياسية التي تتعرض لها بسبب عدم استجابتها للمطالب الإقليمية والدولية.

الباحث المختص في العلاقات الدولية، طه علي، يرى أنّه يمكن النظر للوجود الإخواني والإيراني بقمة كوالالمبور من منظورين "الأول: تشكيل تحالفات ودعم اقتصادي وإستراتيجي للدول الرئيسية المشكّلة لها؛ فإيران في مشاكلها مع الغرب، وتركيا في أزماتها الاقتصادية، وماليزيا في محيطها الآسيوي، وقطر في محيطها الخليجي، والثاني: يخص الإسلام السياسي والبحث عن بدائل جديدة وملاذات آمنة لجماعة مثل الإخوان، بمعنى إمكانية استضافة ماليزيا مستقبلياً لفلول التنظيم في حالة الضغط على الدوحة لاستبعاد أحد منهم، لاسيما أنّ كوالالمبور تمثل أحد أكبر معاقل التنظيم الدولي في آسيا".

 

الأهم، وفق قول علي لـ "حفريات"، أنّ أهداف القمة وفي ضوء البراغماتية التركية والإيرانية "تتركز على الجانب الأول، بمعنى بحثهم عن سند لكل طرف في أزماته الإستراتيجية سواء على مستوى الأزمة الاقتصادية لإيران أو دعم تركيا في أزماتها المقبلة مع الغرب وفي الشرق الأوسط، والبحث عن مكانة مفقودة في العالم الإسلامي بالنسبة للدول الثلاث، بديلاً عن المملكة العربية السعودية، ومنظمة التعاون الإسلامي، التي هي من المفترض في تعاون وثيق ورسمي مع منظمة الأمم المتحدة! وهو ما يشير إلى خطورة هذا الأمر، وكل ذلك يجعل الإسلام السياسي موظفاً في أجندات بالمقام الأول، بل يبدو كورقة تلوح في الأفق بين الحين والآخر، بينما الهدف الأسمى هو المصالح الخاصة للدول المشاركة في القمة".

 

مشاركة قطرية لتمويل النشاطات

 

 

من جهته، أكد الباحث في الإسلام السياسي، ثابت العموري، أنّ هذه القمة "لم تكن مؤهلة للنجاح في الأساس، طالما تعذّر عليها أن تضمن للعرب دوراً في خريطتها، فضلاً عن تحولها إلى منصة استهداف لبعض العواصم العربية الناشطة في المنطقة، وتعميق الفجوة بين مشروع عربي آخذ في التشكل وسلة من المشاريع الإقليمية التي تحدق بالمنطقة وتترصد لها".

وأضاف العموري، في حديثه لـ "حفريات": "هذه ليست القمة الإسلامية الأولى التي تتم خارج السياق العربي، فقبل ذلك شهدت تركيا قمة قبل عام وكانت مخرجاتها صفرية، وهذه المرة هي قمة الإسلام السياسي، وصناعة تكتّل يواجه التكتل العربي، فثالوث قطر وتركيا وماليزيا يجمع بينهم الاتفاق على دعم الإخوان، التي حضرت بالقمة ومنها حركة حماس"، مؤكداً أنّ "الدوحة وتركيا تريدان أن تتحول المؤسسات والمنظمات الإسلامية المعترف بها عالمياً ولديها شراكات مع الأمم المتحدة إلى تأثير ضعيف ليحل مكانها محاور بشعار استقطابي إسلامي لكن عقيدته إخوانية".

ويرى العموري أنّ هذه القمة "عكست افتراقاً ظاهراً بين تركيا وماليزيا وقطر من جهة وبقية العالم الإسلامي من جهة أخرى؛ حيث تريد الأولى أن تكون قائدة للعالم الإسلامي، عبر حالة اصطفاف غير مسبوقة بين محور إسلامي غير عربي ومحور إسلامي عربي، وبينهما يقع الإخوان الذي يقول فكرهم بالأممية؛ حيث لا توجد مشكلة عندهم في دعم محور إسلامي غير عربي حتى لو كان تركياً ماليزياً".

من جانب آخر يرى مراقبون أنّ قطر تسعى مرة أخرى إلى دعم كل ما يخدم أهداف الإخوان وحلفائهم والمحور الإيراني، وخطورة هذا الدعم أنّها مع تركيا تريدان التوسع في آسيا وتشكيل محاور دينية في وجه دول تعتمد المدنية في نظامها، وفي هذا السياق يقول الكاتب إميل أمين لـ "حفريات" إنّ "القطريين هدفهم من هذه القمة إضعاف حلفاء المنطقة العربية والإسلامية، لذا تحالفوا مع تركيا من أجل أن يتحول تأثير المؤسسات والمنظمات الإسلامية المعترف بها عالمياً ولديها شراكات مع الأمم المتحدة إلى تأثير ضعيف".

ويتابع إميل أمين حديثه أنّ هذه القمة "خلقت صراعاً جديداً بلعبها على المتناقضات، ولا يمكن النظر إلى ما جرى في كوالالمبور من غير رؤية بقية الخريطة الجيوبوليتيكية المتحركة، والأهداف الجيواستراتيجية لصناع القرار العالمي في عالم ما بعد العولمة.. إنّها محاولة تفكيكٍ؛ بل وتفخيخ ما كان قائماً، والمسلمون بطن رخوة حول العالم فلماذا لا يُشق صفهم من جديد عبر أيد إخوانية!"

 

مهاتير المعادل الموضوعي لأردوغان

وعلى صعيد آخر، يرى مراقبون أنّ رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، هو المعادل الموضوعي لرجب طيب أردوغان، وأنّ هناك اتفاقاً ضمنياً داخل التنظيم الدولي للإخوان باللعب بورقة مهاتير، بعد أن ساءت علاقة أردوغان بالعالم، والاستفادة من تجربة الأول الناجحة في المحيط الآسيوي، الذي يريدون أن يعيدوا فيه تطبيقات "الربيع العربي" الخطير من خلال غطاء القمة، ليتم بعدها التحكم بالاستثمارات وثروات الغاز الطبيعي وممراته بين أوروبا وأفريقيا.

يقول ثابت العموري إنّ "المال تقدمه قطر، والإيواء للجماعة تقدمه تركيا، والآن ماليزيا مهاتير محمد دخلت على خط لتمرير روايتهم ومظلوميتهم، وهذا عمق آسيوي يضاف للإسلام السياسي، خاصة أنّ هؤلاء يستهويهم الإسلام"، مشيراً إلى أنّ النظام هناك "يخاطب المسلمين ويبحث عن شرعية من خلال استدعاء كل فصائل الإسلام السياسي؛ لأن الإسلام الشعبي في ماليزيا وأندونيسيا يمكن أن يقبل بأي رواية"، موضحاً أنّها "قمة إحياء ميت وهم الإخوان، وهي تثبت أنّ الولاء ليس للوطن بقدر ما هو للداعم بذريعة أممية".

وفي هذا السياق، رأى الكاتب الصحافي، أحمد الجمعة، في مقال له بصحيفة "اليوم السابع"، أنّ القمة التي استضافتها ماليزيا تهدف في المقام الأول إلى "خلق كيانٍ موازٍ وبديلٍ لمنظمة التعاون الإسلامي التي تتابع قضايا تشغل بال الدول الإسلامية منذ 50 عاماً، وتسعى تركيا منذ فترة لبسط نفوذهما خارج الحدود استناداً إلى دوافع مذهبية وعرقية وهو ما يجمعها بدول أخرى مثل؛ إيران، مشاركة في قمة كوالامبور، وهي القمة التي يمكن أن نطلق عليها قمة الشقاق تدور حولها عدة تساؤلات مشروعة عن أهدافها".

من جانبه، رأى المحلل السياسي أنس القصاص أنّها "نفس الاستراتيجية التي اتبعتها بعض الدول الكبرى في حرب أفغانستان، وإنّ هذه القمة هي توريط في حروبٍ جديدة؛ حيث نفس الطريقة مع تغيّر الدول وأدوات المواجهة، لذا رأينا في البيان الختامي الهجوم على الصين، وهي ليست دعوة لمواجهة حربية مع بكين بالتأكيد، لكنها محاولة لعزلها عن طريق إدخالها في مواجهة مع العالم الإسلامي".

ويتابع القصاص حديثه لـ "حفريات" أنّه "رغم السياسات الصينية الخشنة في شينغيانغ لكن هناك حركات انفصالية مدعومة من تنظيمات إسلامية عابرة للحدود حضرت القمة، وأنّ هؤلاء الذين يدّعون نصرة الإسلام في المؤتمر أو خارجه لم ينطقوا ولو بكلمة لإدانة سياسات حكومة ناريندرا مودي الفاشية ضد 170 مليون مسلم في الهند بعد قانون الجنسية الأخير الذي يفتح الباب لتطهير عرقي واسع ضد مسلمي الهند، لكن الاتفاق الأمريكي التركي السري حول تصعيد النبرة ضد حكومة الصين لم تمنحه صلاحية انتقاد حكومة مودي بسبب العلاقات الاستراتيجية بين أمريكا والهند من جانب، وتركيا والهند من جانب آخر.

العامل المشترك بين المجتمعين في قمة كوالالمبور هو انتهاجهم أيديولوجيا الإسلام السياسي المتمثلة في سيطرة الإخوان أو ولاية الفقيه، كدولة ماليزيا المُسيطر عليها أحد فروع الجماعة ألا وهو "الحزب الإسلامي الماليزي"، وتركيا التي يحكمها "حزب العدالة والتنمية"، وأيضاً قطر التي توالي التنظيم وسياساته وتدعمه مالياً، وهي تذكر بحلف بغداد؛ لأنّها تفتقر لوجود القوى المحورية في العالم العربي، وتتجاهل منظمة المؤتمر الإسلامي، وبالتالي هي أشبه بفقاعة مؤقتة ليس أكثر.


*كاتب وباحث مصري

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص