تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

لماذا تفشل الوساطة بين السعودية وإيران؟

بانفشة كينوش- لـ"أتلانتك"

الاربعاء 2020/01/29 الساعة 05:10 صباحاً


 

قادتْ التوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى تسريع الجهود الدولية المبذولة للتوسط بينهما خلال العام 2019، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات على ناقلات النفط في الخليج الفارسي، والاضطرابات التي شهدتها البلدان المجاورة، بما في ذلك اليمن والعراق. وقبلت طهران والرياض الجهود الودية التي بذلتها عديد من الدول لبدء المحادثات؛ وذلك لمراقبة التحركات القادمة واحتمالية كانت تلوح بحدوث حرب. تطورت التقديرات لتذهب في التخمين من أنها قد تحل خلافاتهما، لتجنب للحرب.

لا السعودية ولا إيران تسعيان للبدء بخوض حرب. لم تدخل الدولتان في حرب مباشرة فيما بينهما، وإذا حدث ذلك، فستكون مكلفة ومدمرة لكلا الجانبين. علاوة على ذلك، انخرطتْ كل من الرياض وطهران منذ وقت سابق في مناطق نفوذ في البلدان التي مزقتها الحرب في العراق وسوريا واليمن.

بيد أن الهجوم على منشآت النفط والغاز السعودية المملوكة للدولة في سبتمبر 2019، كان بمثابة جرس إنذار للتيقظ من أن الصراع بين السعودية وإيران يمكن أن يندلع بشكل لا رجعة فيه إذا ترك بدون حل، ليهدد أمن كِلا الدولتين.

ومذاك، فشلت الجهود الدولية للتوسط في النزاعات بين السعودية وإيران. ليس للوسطاء الكلمة على كيفية قيادة الرياض وطهران لسياساتهما الإقليمية، إلَّا أن أولئك الوسطاء ليسوا جهات مستقلة فحسب. فعلى سبيل المثال، قد تكون الولايات المتحدة دعمتْ اجتماعات ثنائية بين الرياض وطهران على مر السنين، معظمها نظمتها منظمات مقرها الولايات المتحدة وشارك فيها خبراء سياسيون تحدث إليهم هذا المؤلف. غير أن الولايات المتحدة أو أي منظمة تتلقى تمويلًا أمريكيًا لا تعد مراقبًا محايدًا للعلاقات السعودية الإيرانية، نظراً للتوترات المتكررة بين البلدين.

تشي استفزازات طهران في الخليج الفارسي خلال عام 2019 إلى ثمة خطط إيرانية لمضاعفة الضغوط على المملكة العربية السعودية، ولكن ليست بكلف كبيرة قد تقوض جميع الاتفاقات. تحتاج إيران إلى انفراجة مع إدارة ترامب في حال كان لا بد من استعادة الهدوء الإقليمي. وبما أن الولايات المتحدة وإيران لا تتفقان، ومن أجل أن تحرز واشنطن تقدماً نحو طهران، فإنها تقوم بدعم حلفائها مثل اليابان وباكستان للمساعدة في التوسط في بعض التوترات بين الرياض وطهران.

وقد بذل الرئيس الإيراني حسن روحاني عدة محاولات لبث روح الأمل في إنجاح هذه الوساطة. زار روحاني اليابان في ديسمبر 2019، وزار رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان طهران والرياض خلال أكتوبر 2019؛ لتسهيل الحوار بين العاصمتين، في أعقاب زيارته للولايات المتحدة في وقت سابق من يوليو 2019. ويريد خان أن يكون على علاقة جيدة مع الدول الثلاث لبناء علاقات اقتصادية قوية وتوطيد قاعدة سلطته في إسلام اباد. وفي المقابل، تعتقد باكستان أنها تستطيع أن تعرض حنكة مع القوات المسلحة الإيرانية لتأمين حدودهما المشتركة التي يبلغ طولها 560 ميلاً، ومساعدة المملكة العربية السعودية على قيادة تحالف عسكري لمكافحة الإرهاب في الدول الإسلامية والعربية لضمان الأمن الإقليمي. ومع ذلك، لم تكن إيران وباكستان أبداً متقاربتين ولم تكن بينهما شراكة ثقة نظراً لمصالح إسلام آباد الأكبر مع الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة مع المملكة العربية السعودية. ومع أخذ ذلك في عين الاعتبار، فإن جهود الوساطة الأخيرة التي بذلها خان لم تسفر بعد عن أي نتائج وفقاً لطهران.

في واقع الأمر، أن التوترات الإقليمية المتزايدة تعني أن جهود باكستان ستقتصر على الأرجح على تقليص حدة الصراعات بين الرياض وطهران، عوضاً عن التدخل للتوسط فيها. بعد استهداف الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس قاسم سليماني في 3 يناير، سافر وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود إلى إيران للتعبير عن أن بلاده لا ترغب أن تقع في خضم المواجهات إذا ما اشتعلت التوترات الإقليمية. بعد زيارة طهران، خطط شاه لزيارة إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة للدفع بجهود الوساطة نحو تخفيف حدة التوترات الإقليمية، مؤكداً لكل من الرياض وواشنطن أن هذا ما تريده طهران بالمقابل.

أعربت المملكة العربية السعودية بأنها تشاطر شاه في تطلعاته ودعت إلى ضبط النفس بعد مقتل سليماني. كما ذكرت المملكة أنها الولايات المتحدة لم تستشرها بشأن الاغتيال، على الرغم من تقارير وسائل الإعلام التي تشير إلى أن سليماني كان في مهمة لمناقشة خيارات الوساطة العراقية بين المملكة العربية السعودية وإيران. وكان وزير الخارجية الإيراني قد طلب بالفعل من سليماني التوسط في الخلافات بين طهران والرياض قبل أشهر، وكان القائد الإيراني متقبلاً للفكرة التي اتضح أنها لم تر النور أبداً. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تربك المصالح الأمريكية الأدوار الإقليمية السعودية والإيرانية. عندما قُتل سليماني، كان من الواضح أن المملكة كانت تشعر بالقلق من تصاعد التوترات الإقليمية.

اقترحت إيران عدة اتفاقيات أمنية إقليمية متعددة الأطراف لتهدئة التوترات ، الأمر الذي تجاهلته المملكة العربية السعودية؛ لأنها تطالب بتغيير في سلوك طهران أولاً. لا تخفي إيران أنها لا تسعى لتغيير سلوكها الإقليمي. لكن مبادرة الأمل الأخيرة المعروفة بـ"مساعي السلام في هرمز" تهدف إلى توسيع نطاق التأثير الإيراني في الشؤون الإقليمية عن طريق تأمين المجرى المائي الخليجي جنباً إلى جنب مع جيرانها العرب. وفي حين نظرت العديد من دول الخليج العربية الصغيرة إلى المبادرة كإشارة مرحب بها من قبل إيران لفترة وجيزة، وبشكل عام، فإن السعودية أو مجلس التعاون الخليجي لم يأخذها بشكل جدي. وليس هناك ما يضمن بأن منح طهران دورًا إقليميًا أكبر قد ينهي تدخلاتها في الشؤون العربية.

 

ويمكن دعم هذه الخطوات المتعددة الأطراف بحلول عملية لاحتواء المملكة العربية السعودية وإيران في مناطق الصراع العربية التي تنخرط الدولتان فيها، بما فيها العراق وسوريا واليمن. هذا هدف نبيل، إلا أن المتشددين الإيرانيين ينظرون بشبهة لأي وساطة تأتي من طرف دول ثالثة متحالفة مع الولايات المتحدة.

يزعم المتشددون أنه لا يمكن الوثوق برئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ لأنه قريب جدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففي زيارته الأخيرة إلى طهران في يونيو 2019، تواصل آبي بالرئيس الأمريكي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل زيارة إيران. إلا أن زيارته فشلت في تحقيق نتائج ملموسة. وبعد ذلك، قررت اليابان إرسال قوات دفاعية إلى المنطقة، عوضاً عن الاعتماد على إيران أو المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة؛ وذلك لتأمين المجرى المائي في الخليج في حالة نشوب صراعات في المستقبل.

الوساطة بين المملكة العربية السعودية وإيران تعني تغيير ميزان القوى بطريقة ترضي كِلا البلدين. إذا ظلت الرياض وطهران عالقتين في التعامل مع المصالح الأمريكية السائدة في مناطق الصراع الإقليمية، فلن يبقى أمامهما سوى القليل من الخيارات لإصلاح قضاياهما بشكل ثنائي وقد ينفصلان عن بعضهما البعض عندما يتعلق الأمر بتحقيق هدف تحقيق الاستقرار في المنطقة. وأي وساطة في هذا السياق لا معنى لها، خاصة تلك التي تحاول فيها الولايات المتحدة أو المنظمات الأمريكية، أو حلفاء الولايات المتحدة الأقوياء، المبادرة بها.

-----------

ترجمة: عبدالله قائد- خاص بـ"مدى برس" و"الشارع"

*بانفشة كينوش باحثة في الشؤون الخارجية، وهي مؤلفة كتاب المملكة العربية السعودية وإيران: أصدقاء أم خصوم؟

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص