ثقافة وفن

“الجنس الآخر” كتاب حرّمه الفاتيكان وكرهه الرجال

 


حتى أوسع كتبها انتشارا، وهو “الجنس الآخر” لا تضاهي شهرته شهرة سيمون دي بوفوار، التي حرّضت نساء الأرض ضد رجالها. ولا غرابة بعد ذلك أن تعشقها غالبية النساء ويبغضها الرجال، سوى قلة منهم. المفكر الوجودي، جان بول سارتر، كان واحدا من عشاقها، وبقي على علاقة معها طيلة حياته، دون أن يربط بينهما عقد زواج. الإعجاب فقط هو ما ربط بين أبوالوجودية وبين رائدة الحركة النسوية. ويقال إن سارتر ما كان ليكتب ما كتبه حول الوجودية، إلا بتأثير منها. وأثارت جرأتها غضب الفاتيكان، عندما وصمت علاقة الزواج بصفة الدعارة، بينما تبقى علاقة بائعة الهوى مع طالب المتعة، في نظرها، أنقى من علاقة يربط الرجل بالمرأة فيها عقد بيع وشراء.


 


يبقى كتاب الجنس الآخر، الذي نقلب صفحاته اليوم، ضحلا إذا ما قورن بحياة سيمون دي بوفوار الغنية المفعمة بالتفاصيل والمواقف الصادمة، رغم أن الكثيرين يرون فيه الدستور المؤسس للحركة النسوية.


العصر الذي عاشت فيه سيمون عصر غير عادي، بكل المقاييس، فقد جاءت للحياة عام 1908، وتوفت عام 1986، لتعاصر سنوات ما بين الحربين العالمتين الأولى والثانية، وما بعدهما، وكانت شاهدة على مآس دمرت أوروبا والعالم، شكلت بيئة خصبة لظهور مدراس فلسفية عديدة؛ العبثية، والعدمية، والوجودية بعض منها، خاصة في فرنسا التي دمرتها الحرب.


وليس بعيدا عن ذلك التاريخ، بدأت دي بوفوار رحلتها في الكتاب، بالحديث عن وضع المرأة الأوروبية، ناقلة إلينا صورة قاتمة عن ظروف واجهتها عاملات، في ثلاثينات القرن التاسع عشر، حيث كن يعملن في الشتاء، من الخامسة صباحا وحتى الحادية عشرة ليلا؛ سبع عشرة ساعة من العبودية اليومية، ضمن أماكن عمل مظلمة ورطبة لا تصلها أشعة الشمس.


 


واستعارت دي بوفوار عبارة، وصفت الحال الذي كانت عليه النساء آنذاك، تقول “المرأة في عصرنا إما حيوان للترف إما حيوان للجر”.


لم تكن دي بوفوار يوما حيوانا للترف أو للجر، بل ساهمت بكل ما أوتيت من قوة وعلم وثقافة، في إنقاذ النساء وتحريضهن على عدم القبول بهذا المصير القاسي.


الأقدار التي اختارت لها فترة ما بين الحربين لتكبر خلالها، هي نفسها التي اختارت لها والديها؛ كانت سيمون تميل للتفكير منذ صغرها، وكان والدها يتباهى قائلا “سيمون تفكر كالرجال”. وبعد أن اجتازت امتحان الثانوية العامة (بكالوريا) في الرياضيات والفلسفة، عام 1925، تابعت دراسة العلوم الرياضية بمعهد سانت ماري.


 


أسئلة وجودية


اتجهت دي بوفوار بعد ذلك إلى دراسة الفلسفة في جامعة السوربون، وكانت أطروحتها للتخرج حول  لايبنتز، وهو فيلسوف وعالم طبيعة وعالم رياضيات ودبلوماسي ومحام ألماني، شغل موقعا هاما في تاريخ الرياضيات وتاريخ الفلسفة.


ويعتبر إلى جانب كل من رينيه ديكارت وسبينوزا، أحد أعمدة الفلسفة العقلانية خلال القرن السابع عشر الميلادي، مهد عمله الفلسفي الطريق للمنطق الحديث والفلسفة التحليلية. عالم وفيلسوف مثل لايبنتز ما كان ليمر مرورا عابرا في حياة الشابة المتمردة سيمون دي بوفوار.


ولدت دي بوفوار في باريس، وهي الابنة الكبرى لجورج برتراند دي بوفوار، محام يطمح أن يصبح ممثلا. والدتها فرانسيوس براسير ابنة لرجل أعمال غني وكاثوليكي متدين. صارعت العائلة للبقاء على نفس المستوى المعيشي البرجوازي حتى بعد أن فقدت الكثير من ثروتها بعد الحرب العالمية الأولى، وأصرت فرانسيوس على إرسال ابنتيها للدراسة في دير مرموق.


واظبت سيمون في سنين طفولتها الأولى على ارتياد الكنيسة، وحلمت أن تصبح راهبة، إلى أن بلغت سن المراهقة، لتنشغل في طرح أسئلة وجودية، أبعدتها عن الكنيسة طيلة حياتها. في نشأة مثل هذه، كان من الطبيعي أن يأتي كتاب “الجنس الآخر”، الذي جاء في ثلاثمئة وخمس وعشرين صفحة، مشبعا بالتحليل النفسي، عارضا لصورة المرأة عبر التاريخ من وجهة نظر الفلسفة المادية التاريخية.


فالرجل كما تقدمة دي بوفوار، لا يفكر في تعريف نفسه كفرد من جنس معين، بل هو رجل وكفى. الإنسانية هي الذكر، أما المرأة فهي جنس آخر، جنس ثان، أنثى لا أقل ولا أكثر. ومن هنا جاءت تسمية الكتاب.


بالتأكيد ليست دي بوفوار من حطم الصورة النمطية للمرأة في الغرب، بل هي أجواء الحرب العالمية، الأولى والثانية، التي ساهمت في بروز مفكرة من حجم دي بوفوار ومكانتها، فاسحة المجال أمام المرأة لإعادة تقييم نفسها.


التهمت الحرب العالمية الأولى والثانية حياة الملايين من الرجال في أوروبا؛ من لم يمت خرج محطما نفسيا. وكانت المرأة هناك، تقدم الدعم المادي والمعنوي، واستطاعت إكراه المجتمع الذكوري على الاعتراف بحقوقها الطبيعية. كررت دي بوفوار ما قاله، إنجلز، نقلا عن هيروديت، إن المجتمعات كانت في البدء أمومية، إلى أن اغتصب الذكر السلطة.


وترى دي بوفوار، التي تأثرت بالفكر الماركسي السائد حينها، أن المادة هي الأصل، وأن من يمتلك مصدر الدخل هو الطرف المتحكم في أي علاقة بين رجل وامرأة، لذا فإن طغيان الرجل يفسره تحكمه بأدوات الإنتاج، التي سهلت عليه تنصيب نفسه سيدا.


لذلك ليس غريبا أن ترى دي بوفوار في مؤسسة الزواج وما يتبعها من مشاغل الأمومة، عدوا للمرأة، فالتناسل هو بالنسبة لها “السبب الذي حصر المرأة في العمل المنزلي، ومنعها من المساهمة في تغيير العالم؛ لعنة المرأة تتمثل في أنها وظفت من قبل الطبيعة لتكرار الحياة”. المرأة في مرحلة الحمل والأمومة، وفق دي بوفوار “مقيدة مثل حيوان”.


إلى جانب العبودية التي فرضتها الأمومة على المرأة، هناك عبودية العمل المنزلي، الذي “لا يقدم إضافة تفيد المجتمع، بل يبقي المرأة أسيرة الزوج والأطفال. وبينما ينظر إلى الرجل بوصفه مواطنا منتجا، قبل أن يكون زوجا، تبقى المرأة في نظر الجميع مجرد زوجة”.


في هذا الجو استُقبلت أعمال سيمون، لتسيل الكثير من الحبر، ويكتب عنها، بوصفها فيلسوفة ومفكرة، العشرات من الكتب والمئات من الأبحاث، غاص بعضها في عالمها الأدبي، الذي كثيرا ما طغى على جانبها الفكري. ويبقى أن أهم ما كتب هو مذكرات وثقت ذاكرة جيل تأثر بها، صدرت عن دار بوفوار في مايو 2018، كتبتها ابنتها بالتبني، لوبون دي بوفوار.


 


ابتسامة بودابست


لم تكتف لوبون برواية سيرة حياة المفكرة والأديبة بوفوار فحسب، بل قدمت لنا شهادة على الحياة الثقافية والفكرية، التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عارضة أمامنا لوحة أمينة للحياة الخاصة للمفكرة، إلى جانب الحياة السياسية والمعارك الفكرية التي خاضتها، تخللها عرض للتيارات الفكرية، الماركسية والشيوعية والحركة النسوية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، مرورا بمشاركتها النضالية في فضح الحقبة الاستعمارية.


كغيرها من أبناء وبنات جيلها من المثقفين، تعلقت دي بوفوار بالفكر الماركسي، وتغاضت عن أي زلة أو تجاوز أو انتهاك معنوي أو أخلاقي أو سياسي، ارتكبته الأنظمة الشيوعية، لتعترف لاحقا، إثر تسرب فظائع ارتكبت في ظل حكم ستالين “بدأنا نسأل أنفسنا إن كان الاتحاد السوفييتي والديمقراطيات الشعبية تستحق تسمية دول اشتراكية”.


وفي عام 1954، سجلت خلال زيارة قامت بها برفقة سارتر إلى براغ ملاحظات حول أحداث طالما مرّت عليها دون تدقيق “أمام تمثال ضخم لستالين، ودون سابق استئذان قالت فتاة بلهجة صارمة: هذا لا يعجبنا أبدا”. وفي زيارة لمكتبة عامة في براغ اقترب منها موظف إداري، استغل فرصة عدم وجود أي شخص آخر، وهمس قائلا “تحدث هنا أشياء رهيبة”.


ولم يمض على الملاحظات المدونة أكثر من عامين، حتى شهدت بودابست، في هنغاريا، انتفاضة في الفترة بين 23 أكتوبر و4 نوفمبر 1956، تم سحقها بعنف. كانت صدمة بوفوار ورفاقها كبيرة، وكتبت تقول “في صحيفة فرانس سوار، في كشك يبيع الصحف والمجلات، في ساحة كولوما، صدمنا بمانشيت بالحرف العريض يقول الجيش السوفييتي يهاجم المتمردين”.


وتضيف “في البدء، لم نفهم ما يحدث.. ولكن سرعان ما أدركنا ثقل الدعاية الشيوعية وزيفها، التي تحدثت عن ‘ابتسامة بودابست’.. كيف لنا أن ندافع عن فكر اعتبرناه نموذجا اقتدينا به، والغصة ما زالت في حلقنا وحناجرنا”.


وفي براغ، حيث سجلت ملاحظاتها الأولى، شهدت المدينة ربيعا عرف بربيع براغ، عندما نهج الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي منهجا إصلاحيا أقرب إلى الديمقراطية، عرف باسم “الاشتراكية ذات الوجه الإنساني”. بدأ يوم 5 يناير 1968، بوصول الإصلاحي ألكسندر دوبتشيك إلى السلطة، وانتهى في 21 أغسطس 1968، باجتياح عسكري للبلاد، قادته القوات السوفييتية مدعومة بقوات حلف وارسو.


وكانت دي بوفوار كتبت في كتابها “قوة الأشياء” الصادر عام 1963، أن الصين هي البلد الكبير الوحيد النامي الذي انتصر على الجوع، متناسية مجاعة الصين الكبرى التي أودت بحياة 40 مليون صيني، في الفترة بين عام 1958 و1961.


لم تعترف دي بوفوار بخطئها إلا في وقت متأخر، بعد أن أعلن الزعيم الصيني، ماو تسي تونغ، ثورته الثقافية الكبرى، 16 مايو 1966، محذرا ممن أسماهم ممثلي البورجوازية، الذين اخترقوا الحزب الشيوعي، وتوعد باجتثاثهم. ولم تنجح ثورة ماو إلا في تمزيق المجتمع الصيني، وراح ضحيتها مئات الألوف، وجرى تعذيب الملايين، وتخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي، وتحولت الصين إلى سجن كبير.


 


ماذا تبقى؟


تبقى منه “الجنس الآخر”، الكتاب الذي ساهم، رغم راديكاليتيه، في تحقيق مكانة النساء. واعتبر من أكثر الكتب التي مهدت لنشأة الحركات النسوية الغربية أهمية، وهو حتما من أفضل ما كتبت دي بوفوار. صدر الكتاب لأول مرة باللغة الفرنسية عام 1949، ليوضع مباشرة على قائمة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان.


وهو تحليل مفصل لتاريخ اضطهاد المرأة، تناقش فيه المؤلفة سؤالين مركزيين: “كيف وصل الحال بالمرأة إلى ما هو عليه؟ وما هي الأسباب التي حالت دون تكتل النساء ومواجهة الواقع الذكوري الذي فرض عليهن؟”.


الجزء الأول من الكتاب بعنوان، المصير، حللت دي بوفوار دور الصفات البيولوجية للمرأة، في ترسيخ مكانتها كآخر. ثم انتقلت إلى علم التحليل النفسي لتناقش المواقف المختلفة لعلماء نفس رجال، من تحديد البنى النفسية للمرأة، وتطور تلك البنى لاحقا بناء على النموذج الذكوري. لتنتقل بعد ذلك إلى وجهة النظر المادية التاريخية، التي ترى أن وضع المرأة المتدني هو نتاج لصراع الطبقات.


وتحت عنوان، تاريخ، الذي احتل الجزء الثاني من الكتاب، قامت بوفوار بتقديم تحليل خاص لوضع المرأة، ارتكز على البعد التاريخي. فالتاريخ وحده، حسب بوفوار، كفيل بإعطائنا الإجابات.


برهنت بوفوار، من خلال مراجعة الماضي، أن الرجل استطاع احتكار كل القوى المؤثرة بين يديه، وأن التاريخ تحقق من خلال رؤية وفهم الرجل للواقع، مما أدى في النهاية إلى إنتاج المرأة بصورة الآخر.


حللت بوفوار واقع المرأة بدأ من الحضارة اليونانية والرومانية والعصور الوسطى، مرورا بالثورة الفرنسية ووصولا إلى النصف الأول من القرن العشرين، مستندة دائما إلى علاقات القوة بين الجنسين.


وختمت بوفوار في الجزء الثالث المسمى، أساطير، بعرض للخرافات التي نسجت حول المرأة، وهدفت إلى اختزالها، محولة الأسطورة إلى واقع، تكون فيه المرأة، التي لا تتوفر فيها شروط الأسطرة، كائنا شاذا.


خطورة تلك الأساطير، وفق بوفوار، أنها أضفت الشرعية على امتيازات الرجل. كما أنها رفعت الشعور بالذنب عنه، فهي قد عزت ما آلت إليه المرأة إلى إرادة الطبيعة، لتستلب حقوقها، ويتم التعامل معها بوصفها جارية أو حيوان نقل.


لا يكتمل الحديث عن دي بوفوار، دون التطرق إلى المعارك الفكرية التي خاضتها، لمواجهة النزعة الاستعمارية الفرنسية، حيث شنت وبجرأة معركة شرسة، خاصة في ما يتعلق بنضال الشعب الجزائري لنيل استقلاله، وتميزت بوعي عال، على عكس الكثير من مثقفي فرنسا الذين تصرفوا بجبن وخوف من السلطات الاستعمارية، بل وشاطروها توجهاتها وسكتوا على جرائمها.


شعرت دي بوفوار بالذنب حيال جرائم الحكومة الفرنسية، خاصة سلوك اللامبالاة الذي أبداه الشعب الفرنسي ومثقفوه تجاه ما وصفته بالجريمة.


وزجت بنفسها في محاكمة المناضلة جميلة بوحيرد، التي عذبت داخل السجون الفرنسية. وتعرضت دي بوفوار للتهديد، وتم وضع عبوة ناسفة في بيت سارتر الذي كانت تشاركه العيش فيه، في 42 شارع بونابرت في باريس.


 


نددت سيمون دي بوفوار بالقمع والاضطهاد والتعذيب الذي مارسته السلطات الفرنسية ضد الجزائريين الرافضين للاستعمار، وقارنت سلطات بلدها بالنازيين، واصفة سياساتهم بالنازية، معلنة أنها تكره هذه الـ”فرنسا التي لم أعد أعرفها”.


 


“بينما أرقد بهدوء، أكتب، وأتنزه، وأقرأ بأمان، هناك على الجانب الآخر ترتكب جرائم بشعة بحق جزائريين أبرياء”.


 



*كاتب سوري مقيم في تونس


 


 


 


 

اظهر المزيد

الوسائط المتعدده

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق