تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

فلسفة إعادة كتابة التاريخ اليمني القديم وتصحيحه من هيمنة السرديات الزائفة !!!

حوار حول “ كتاب كشف الأسرار وفضح الأفكار المزورة التي علقت بتاريخ اليمن القديم ” ..مع المؤلف المحامي/ محمد علي علاو

حوار

الجمعة 2020/03/13 الساعة 01:59 مساءً

 

يؤكد الأستاذ محمد علي علاو  (مواليد مديرية صباح منطقة رداع محافظة البيضاء وسط اليمن عام ١٩٧٨ م) أن معركتنا الرئيسية هي ضد المخيال الفارسي والقراءة  الخياليّة والتزييف الفارسي المتعمد لتاريخ اليمن القديم قبل الإسلام ، وهدفها تأسيس قراءة يمنية وعربيّة جديدة تقوم على استخدام معطيات العلم والتاريخ والثقافة بشكل صحيح . ويعتقد "علاو" أن التلفيق والزيف الذي قامت به بعض كتب التراث الفارسي التي كتبت بعد الاسلام هي أخطر بكثير مما يبدو لنا تزويراً أو تحريفًا بالمعنى العرقي القديم . ويكرر الرغبة في مساجلة الخيال التراثي الفارسي ومقاومته انطلاقا من النقاش حول أسس المعطيات العلمية الأثرية والتاريخية والواقعية . 
علاو كما يُعرِّف نفسه هو “باحثٌ عن طريقةٍ ما لتصحيح تاريخ اليمن القديم، ومن الباحثين الذين يجذبهم حب المعرفة للغوص في أعماق ما يبدو شائكاً ومجهولاً ومعقّدًا ومزورآ ”.

وتُعد أطروحته في كتابه “كشف الأسرار وفضح الأفكار المزورة  التي علقت بتاريخ اليمن القديم ” وهو من أهم المؤلفات التي قدّم فيها علاو  ويشمل مراجعات للمسلّم به في كتب التاريخ اليمني القديم ، والتي نفى فيها أن يكون التبع أبرهة بن الصباح ملك حبشي استولى على حكم اليمن ، أو أن الأحباش احتلوا اليمن ..الخ،. ويواصل الباحث في نسفه  للخاطئ والمغلوط والمزيف من الموروث التاريخي بقوله : “انه لم يثبت تاريخيا ان سفن الاحباش مخرت عباب البحر الأحمر الى اليمن ، وأن الحقيقة التي لا مناص من التمعن فيها اليوم: إنّ القبائل اليمنية العربية من ال الصباح هي التي حكمت دولة وحضارة سبأ العربية التي كان نطاقها الجغرافي يمتد من اليمن الى الحبشة كدولة حميرية واحدة هي دولة سبأ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ، وان القليس وهو الكنيسة التي بناها التبع اليماني أبرهة بن الصباح توجد في موكل صباح رداع عاصمة الدولة سبأ ولم يُبنَها في صنعاء الحالية قط وهي التي لم تكن عاصمة للحميريين ، وان ليس ثمة هيكلٌ لقليس أبرهة  في مدينة صنعاء الحالية كما يزعم معظم المؤرخين الفارسيين الذين شوهوا تأريخ هذا التبع اليماني لأسباب سياسية فصلها الكتاب ”.

وقد اعتمد الباحث علاو في هذا الكتاب على ثلاثة مصادر رئيسية للبحث، يتمثل المصدر الأول في النقوش المسندية المثبتة ،وأمّا المصدر الثاني فكان القران الكريم والسنة النبوية واقوال الصحابة وماجاء كتابي «الإكليل وصفة جزيرة العرب»، لمؤلفهما الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، وغيرهما من كتب التاريخ اليمني المعتبره، ويشكل الشعر العربيّ القديم المصدر الثالث ،بالاضافة الى تطابق اي منها مع الواقع الجغرافي الحالي وربطها مع السياق التاريخي والمنطقي للسرديات.

…...

س/ ماهو هدفك من إثارة عدد من النقاط والأفكار في كتابك الجدلي والتي تشكك في مسلمات في تاريخ اليمن القديم قبل الاسلام ؟ 
ج/ أعتقد أنها بداية يقظة لهدف أعم وأشمل. تاريخ اليمن والعرب القديم كتبه بعض التراثيين الذين ينتمون للعرقية الفارسية تحديدا واستخرجه واعاد رسمه لنا المستشرقون من بطون الكتب ومن باطن الأرض، ولكنهم لم يكتفوا باستخراجه وتقديمه لنا، إنّما قاموا باعادة كتابته وروايته لنا وفقا لمنهجيتهم التي كانت قائمة في وقتهم ، فهم رووا تاريخنا بصوتهم، ورووه لأغراض وأهداف مختلفة، قد يكون بعضها بريئاً ولكنه مبنيٌّ على أحقاد عرقية ومغالطات وإشكاليات في فهم الحقيقة وثقافة الآخر. إنها بداية يقظة لنروي تاريخ هذه المنطقة بصوتنا وليس بصوت الآخر الفارسي  او الروماني او المستشرقين من بعدهم .

بهذا المعنى يأتي البحث عن قصة العلاقة بين كتب التراث الإسلامي التي كتبت عن تاريخ اليمن القديم  ليثير جذر أساسي في المشكلة، أنّ الصراع الراهن الذي بلغ ذروة التوتر والعنف مبنيٌّ على أساس واهٍ من المعتقدات العرقية الفارسية الزائفة بأن اليمن  خضعت لاحتلال حبشي وبدعوى أن أبرهة صاحب قصة الفيل هو ملك حبشي وليس يمني ! ولذلك هذه المعركة تبدأ الآن على أساسٍ علميّ، وهي معركةٌ سلمية، ويجب أن نخوضها بطريقة وبأدوات علمية وهادئة، وأن نثير النقاش والسجال حول التاريخ من أجل إعادة تصحيحه وإعادة الاعتبار للتاريخ اليمني الحقيقي المغيب عنا والمزيف في أغلب ما روي عنه .

س: ما الذي ألهمك العودة لمراجعة أدواتك البحثية الخاصة التي تميّز بها كتاب “كشف الأسرار وفضح الأفكار المزورة في تاريخ اليمن القديم ” : هل هو النقوش المسندية ام الشعر العربي الذي وصفته “بأهم قاموس جغرافي في العالم”، ام كتابيّ الحسن بن أحمد الهمداني؟

ج : الأمر بدأ فعلاً ليس بمحض الصدفة، بل أنني كنت ومنذ صغري من الطلبة الذين يستهويهم كتب التاريخ اليمني الاسلامي والقديم وبحكم انني ولدت في منطقتي صباح رداع التي يوجد فيها آثار قديمة في كل مكان من حولي ،كما أنني من الطلبة الذين استهوتهم في بدايات حياتي كتب القصص للكاتب خالد محمد خالد "رجال حول الرسول" والبداية في قصة ابو موسى الاشعري رضي الله عنه عند واقعة التحكيم ومقولته لو كانت خلافة المسلمين تستحق بشرف الأصل والنسب لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح الحميري فهو من ابناء ملوك التبابعة الحميريين الذين ملكوا مشارق الأرض ومغاربها ،والأهم في الأثري هو قراءة كتابات ابو الحسن الهمداني مع أنه يكتب بطريقة مزعجة بالنسبة للقارئ، وهو كما شبهه أحد الأصدقاء الأستاذ طارق أحمد قال هو بالضبط كما لو أنك تقرأ في دليل الهاتف.

وبالفعل قد لا توجد متعة كثيرة للقراءة، فأثناء البحث في الهمداني وفي صفة جزيرة العرب تذكرت أن الشعر العربي الجاهلي هو في الأصل شعر مواضع وأماكن، وبما أنني أقرأ وصفاً جغرافيًا للهمداني، وهذا الوصف يتحدث عن جبال وينابيع ووديان هذا يعني أنه يصف لي مواضع وأماكن، فاستذكرت وأنا أقرأ الهمداني أنّه لا يشبه هذا النص السردي الجغرافي إلا سردٌ شعريّ للمواضع والأماكن تجسَّد في الشعر الجاهلي القديم. والشعر الجاهلي القديم هو شعر مواضع وأماكن (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوا بين الدخول فحومل) كُلُّه وصفٌ لأماكن !

فقمت بمطابقة ما وَرَد عند الهمداني نقلا عن الشاعر احمد بن عيسى الرداعي من أسماء مواضع مع الواقع واسماء المناطق في منطقتي رداع ، فاكتشفت أنّ هناك تطابقاً مذهلاً في الوصف، وفي البيئة المحيطة، وفي طريقة نطق الاسم، وفي رسمه، وهو رسمٌ مطابقٌ للرسم الوارد في القصيدة الرداعية . فمنطقة “أفيق” وهكر والسليل وثات كلها في منطقتنا صباح رداع .

أفيق هو اسم جبل، وكما يصفه الهمداني يُقدّمه بالضبط بوصفه جبلاً. والمثير للاهتمام أن وصف الهمداني للأماكن المحيطة بهذا الجبل قصر موكل صباح رداع يطابق الوصف الذي يقدمه الهمداني للأماكن المحيطة به، فإذاً لدينا بيئة! هناك سلسلة أماكن محيطة بها كما لو أنك قلت (موكل يمين افيق) هناك ثلاثة أماكن متجاورة ولا يمكن لهذه الأماكن المتجاورة أن تكون متجاورة بمحض الصدفة في مكانين أو أكثر من مكان، لا يمكن! وعندئذٍ اكتشفت أن الشعر الجاهلي جاء على ذكر أفيق بما أنه شعر مواضع. والهمداني بالمناسبة كنص سردي جغرافي هي تتضمن هذه البنية، فهي أيضا نص سردي للمواضع والأماكن. إذًا هذه البنية السردية في النص الهمداني تتطابق مع البنية الواقعية اليوم  بوصفهما سرديتين جغرافيتين، وهاتان السرديتان تتطابقان مع الشعر الجاهلي بوصفه سرديّة شعريّة للأماكن والمواضع. بهذا المعنى نتحدث عن أدوات متماثلة في الاستخدام، ولذلك تنبّهت إلى قيمة الشعر الجاهلي بوصفه الخزّان الثقافي الهائل الذي يمكن أن نغرف منه ما يكفي من الأدلة للبرهنة على أن موكل صباح كانت هي عاصمة الدولة الحميرية ،وليس مدينة صنعاء الحالية كما تتحدث معظم الروايات التراثية ، فقصيدة الرداعي عند الهمداني تتحدث عن مسرح جغرافي يمتد بطول بلاد رداع وبامتداد السراة الشهيرة، سراة اليمن، أو ما يعرف بسراة حِمْيَر، وصولاً إلى مأرب، مروراً بنجران وعدن وحضرموت.

س: ما هي الصعوبات أو التحديّات التي واجهتك سواء من الناحية المعرفية أو من ناحية الجمهور المتلقي للمعلومة في الكشف عن هذا الجديد بشأن تضليل تاريخ المنطقة؟

معرفياً كنت قد وجدت نفسي في خِضمِّ مغامرةٍ أشبه ما تكون بشخصٍ وجد نفسه في عرض البحر وأنّ السفينة لم تعد صالحة للاستخدام، وأن عليه أن يقوم بنفسه بالسباحة ليصل إلى الشاطئ بأمان، لأن السفينة لن توصله للشاطئ بأمان. ولذلك تطَّلبت مني هذه المغامرة لا أن أجيد السباحة وأتقنها؛ ولكن أن أكون متمتعاً بصحة وبقوة بما يساعدني على قطع هذه المسافة الشاقة. وكان التحدي الأكبر في أن أقدّم أدلة علمية مبنيّة على معطيات لا تثير الشك أو الريبة أو أن تكون موضع للتنازع حول تفصيلات لا معنى لها. ولذلك كتبت أطروحة “كشف الأسرار وفضح الأفكار المزورة التي علقت بتاريخ اليمن القديم ” بوصفها عملاً علمياً يخلو من أي مجادلات سياسية أو ثقافية أو أدبيّة، وليس فيه ما يبدو ألعاباً لغويّة كما هو الحال مع بعض الباحثين الذين يطابقون بشكل تعسفي بين أسماء المواضع الهمدانية مع أسماء أماكن بعينها، فكان التحدي الأول تحدي معرفي، وهو تقديم الأدلة التي يمكن أن تُقبل عقليا، ولأنني قدمت ما يكفي من الأدلة أنَّ ما ورد في الواقع الجغرافي يتطابق تطابقا تامًا مع نصوص الهمداني ومع الشعر الجاهلي، وهذه بيئة ثقافية ايكولوجية متكاملة لا مجال للاشتباه بأنها ملفّقة أو مزورة أو أنني تدخّلت في صناعتها.

التحدي الآخر هو تحدي التلقّي، كيف يمكن إيصال الرسالة؟ تعرف أن مشكلة المؤرخ ذي الخلفية القانونية تتخطى حدود إنجاز البحث وتقديم البراهين، إلى إقناع الآخرين المتلقّين أن ما يقدمه جديرٌ بأن يُساجل ويناقش ويؤخذ على محمل الجد ويصحح الأخطاء . والغريب أنني حصلت على تعاطف واهتمام شعبي بالحدود التي تمكنت من بلوغها حتى الآن بما أدهشني. هناك تعاطف مذهل من جمهور واسع ومتنوع، ومن طبقات مختلفة، ومن مذاهب وأديان وأعراق مختلفة، هذا يعني أنّ ما طرحته أثار اهتمام الآخرين. ليس لدى هؤلاء المتلقين أجوبة مضادّة أو أسئلة محرجة، هذا الأمر يتوقف على أهل الاختصاص، لكن ما أثار اهتمامي وانتباهي في آن واحد أنّ أهل الاختصاص من علماء آثار وباحثين وكتّاب تاريخ صمتوا صمتاً مريبًا لعقود من الزمن رغم أنني تحدّيتُ عالمهم فإن قلة منهم فقط أبدت استعداداً لمساجلة ماجاء في الكتاب.

أذكر أن عدد كبير من الرفاق المؤرخين من بينهم باحثون وكتّاب وأساتذة جامعات، وناقشت معهم حول الأفكار المزورة ، وتساجلنا حول هذا الكتاب، ثم اكتشف أحدهم وهو عالم تاريخ معتبر  أنه غير قادر على دحض أي من أطروحات الكتاب، وقال لي بالحرف الواحد: أنت تدمّر كلما تعلّمناه وكل ما نعلِّمه! فقلت: بالضبط أنا أريد أن أدمِّر كل ما تعلمتموه من بعض كتبة التراث ولحقهم بعض المستشرقين من تزوير وكل ما تلقّنونه اليوم لأجيالٍ من الطلاب بطريقة خاطئة.

يجب أن نعيد قراءة تاريخنا ونرويه بأنفسنا ، وأن نقول الحقيقة: أن جزءًا كبيرًا جدا من التاريخ اليمني والعربي القديم الذي يدرّس اليوم في الجامعات مبنيٌّ على خيالات استشراقية بنيت على معطيات من كتب التراثيين ، ولا يؤيدها العلم ولا النقوش ولا العقل، وهو تحدي التلقي ما يزال قائماً وأنا أراهن على أن فكرة من هذا النوع ربما تنتصر مع الوقت.

س: مع تنامي الدعوات التصحيحيّة لتاريخ اليمن القديم والمنطقة العربية وبروز جغرافيا جديدة كمسرح للأحداث التاريخية. هل تتوقع مواجهة من نوع آخر مع الحركة الفارسية في قادم الأيام؟ وما ملامح هذه المواجهة؟

أنا أعتقد أن المواجهة قائمة ومستمرة منذ وقت طويل، واول من خاضها قبلنا هو لسان اليمن ومؤرخها ابو الحسن الهمداني ،ولكنها لم تنشُب بعد في الحقل المعرفي، حتى الآن خاض اليمنيين والعرب معركتهم حول تاريخهم القديم  بأدوات سياسية أو دينية، ولكن أحدًا من اليمنيين او العرب لم يجرؤ أو لم يتمكن أو لم يتقدَّم لميدان النقاش والسجال بالأدوات العلمية من بعد ابو الحسن الهمداني المؤرخ الوحيد الذي انكر احتلال الحبشة لليمن وانكر غير ذلك من الامور التي تسببت له في متاعب أدت حينها الى تكفيره واخفاء معظم كتبه التي هي اصح ما كتب عن تاريخ اليمن القديم ، لذلك أنا أقترح أن تكون هذه المعركة بطابعها السلمي هي معركة من أجل العلم وخدمة للحقيقة وللتاريخ .

لقد وصل المشروع الفارسي اليوم لمأزقه التاريخي، فإيران الفارسية في صورتها القديمة والراهنة في علاقتها باليمن لم تتمكن لا من تبرير وجودها كقوة احتلال لليمن ، ولا من تقديم فرضيات صحيحة منطقية تدلّل على صحة ما أوردته من مزاعم عن حقوق دينية أو تاريخية انها جاءت لليمن دعما للملك سيف بن ذي يزن لإخراج الاحتلال الحبشي من اليمن بحسب مزاعمهم الكاذبة ، وليس هناك حل سياسي للمشكلة.. حتى الآن لا توجد رواية حقيقية للتاريخ في هذه النقطة ، وهذا الاستعصاء قد يخدمنا في مجال البحث العلمي عندما نقوم بنقل المعركة إلى هذا الحقل ونقول: أن اليمن لا علاقة لم يحتلها اي دولة حبشية كما يزعمون ، وان ابرهة بن الصباح ليس ملك حبشي بل يمني حميري ،وأن اليمن ضحيّة المخيال الفارسي التراثي . أبيد شعب ودُمِّر وحُطِّم والمنطقة أُدخلت في أتون من العذابات منذ مئات الاعوام حتى اليوم بسبب أطروحات كاذبة ومزيفة لكتاب تراث من القومية الفارسية ! وأن ما نقوم به اليوم هو حركة تصحيحية كبرى وشاملة لنا فيها شركاء يهود ومسلمون ومسيحيون، عرب وأجانب، نحن شركاء في تصحيح تاريخ إنساني، فتاريخ اليمن القديم بحلوه ومره  ليس ملك اليمنيين فقط هو أيضاً اليوم في ذمة كل العرب والمسلمين وفي ذمة الإنسانية، بما أن مأساتنا ناجمة عن هذا الخطأ المأساوي المتعمَّد بقراءة كتب المؤرخين الفرس عن اليمن بهذه الطريقة التعسفيّة، ولذلك ندعو لتصحيح هذا الخطأ المأساوي، وفتح الأفق لحل تاريخي باليمن والمنطقة، بدلاً من أن نظل ضحايا لنزاع لا نهاية له.

س: أنت تخلص في الكتاب إلى نتيجة “إن الاحتلال الحبشي  لليمن كان مجرد كذبة تاريخية واستطراد فارسي في الاستيلاء على التاريخ والثقافة.” فهل تجد أن السعي الحثيث في الميدان الثقافي يمكن أن يوصل في مرحلة من المراحل لتصحيح التاريخ - مع الوضع في الاعتبار واقع السياسة العربية؟!

قد لا يكفي ما لدينا من عمر لنرى تاريخ اليمن محرّر من التزييف الفارسي الذي أصاب تاريخه وأضاع مجده العربي ، لكن المهم أن نبدأ هذه المعركة بهذه الأدوات لنؤسس لمسرح جديد من الصراع.

في تقديري أمامنا معوقات هائلة، ليس من السهل على المخيال الفارسي التنازل عن الكتب والمؤلفات وأطروحات الدكتوراه التي ملئت مكتبات العالم وملايين المتعلمين وخريجي الجامعات الذين عاشوا هذه الخرافات. اليوم هناك أطنان من المؤلفات كلُّها كتبت عن تاريخ اليمن القديم من رؤية استشراقية ومن منظور تراثي فارسي ، وهذه كلها نفايات واكاذيب تاريخية يجب أن ترمى في براميل النفايات! نحن في معركة تاريخية كبرى وضخمة ولكن المهم أن نبدأها بشكل صحيح وأن نحشِّد من حولنا حلفاء في العالم كله لرؤية الحقيقة التاريخية المجردة . تعالوا نحتكم إلى الآثار والتاريخ والعقل والمنطق، دعونا عن العواطف الدينية، نحن نحترم كل الأديان والمذاهب والاعراق وليست لدينا مشكلة مع أي دين أو مذهب أو عرقية .

بالمناسبة أنا ليست لدي عقدة من ما يتعلق بالتراث الفارسي الذي أسس للمذهب الزيدي الذي حكم اليمن لقرون على الإطلاق. لأنني أسأل نفسي لو افترضنا أن اليمن  كانت ضحية موجة حبشية أو غيرها، أو أن المستوطنين الفرس الذين جاؤوا واحتلوا اليمن مع سيف بن ذي يزن كانوا بوذيين أو مجوسيين، فهذا يعني أننا كنا بدأنا هذا الصراع منذ ألف وخمسماىه عام مع الفرس والاحباش النصارى، ولما اشتبكنا مع المجوس. نحن نتحدث عن معركة تاريخية بسبب استيطان استعماري فارسي دمّر شعبًا واغتصب حقوقه التاريخية في الأرض والتاريخ والثقافة والحياة، ومعركتنا ليست مع دين بعينه أو جماعة بشرية بعينها. نحن نقاتل ضد أطروحات فكرية وعلمية مبنيّة على أسس خاطئة.

س: كيف تقيّم الجهود اليمنية المبذولة في ساحة المواجهة المعرفية مع التراث الفارسي حول تاريخ اليمن القديم ؟

كل ما كُتب في الحقيقة جديرٌ بالاحترام والتقدير، أنا أشعر بالسعادة من وجود هذا العدد من الكتّاب الذين يهتمون بهذا الجانب، وأنا أحيي كل الباحثين والمؤرخين الذين كتبوا واجتهدوا، وأرحب بما توصلوا له من استنتاجات وإن اختلفوا.

في العلم لا يوجد اكتشاف نهائي، كلنا نكمل بعضنا، في العلوم دائمًا يتوصل الباحثون لاستنتاجات متنوعة ومختلفة، بعضهم يصل قبل الآخرين، لكن المهم أن تتكامل هذه الجهود، فما بدا في وقت من الأوقات أنّه بالنسبة لاكتشاف نيوتن أو أديسون كما لو أنه هو السقف النهائي أصبح مع الوقت مجرد اكتشاف افتتاحي مهَّد السبيل لعلوم ولكشوفات أهم وأرقى، ولذلك أعتقد أننا بانتظار أجيال جديدة ستأتي أفضل منّا تعلمًا ومعرفةً، وربما لديها أدوات أفضل منّا، ستصحح لنا ما كتبناه، وستبني عليه أو تقبل بجزء منه. وبالتالي أنا أكون سعيدًا لو قام أحدهم بتصحيح ما كتبت، وأنظر لما يكتبه أساتذتي وزملائي وإخواني وأصدقائي من الكتاب والباحثين في هذا المجال باحترام شديد وأرى أنهم يقومون بعملٍ عظيم بصرف النظر عن الاختلاف في النتائج ولكن المهم أننا نشتغل على أرضيَّة واحدة.

س: لماذا لا تسعى للانضمام لجبهة معينة من المفكرين بحيث يتم لم شمل هذه البحوث التاريخية المتفرقة؟

ج / أنا دعيت في الحقيقة لتأسيس جمعية أنثربولوجية يمنية او عربية أو تحالف من مثقفين وجمعيات ثقافية من أجل تطوير حقل البحث العلمي في هذا المجال، وتحويله من عمل فردي إلى عمل مؤسسي، ولذلك أخوض الآن سلسلة نقاشات مع الكثير من المفكرين والكتاب والباحثين لتأسيس هذا الإطار الثقافي الذي هدفه الوحيد هو خدمة العقل والتاريخ والثقافة وتصحيح الأفكار المزورة في تاريخ اليمن القديم .


أنا أسعى من خلال هذا الكتاب إلى فتح قنوات اتصال بين كل الحساسيات والجماعات الثقافية في المجتمع اليمني والعربي والاسلامي من أجل تفهّم طقوس الآخر واعادة الاعتبار لتاريخه المطموس والمزيف ، ورؤيته بطريقة صحيحة بدلاً من الاستمرار في نشر الصور النمطية. فهناك صور نمطية سيئة وتافهة عن تاريخ اليمن القديم وملوكه الحميريين قبل الاسلام في العالم العربي والإسلامي ، عندما تصورهم كما لو كانوا مجرد ضعاف احتلتهم الحبشة وملوكهم كانوا مجرد شذاذ افاق وسراق ليس لهم نظام ملك معتبر كغيرهم من الحضارات وكما رواه عنهم الطبري وغيره من كتاب التراث الفارسي في العهد الإسلامي  ، وهذه نظرة غير صحيحة، ويجب أن تسقط وتلغى نهائياً.

ويعيد هذا الكتاب كتابة رواية التبع الحميري اليمني أبرهة بن الصباح  من منظور جديد خال من أي ظلال عرقية او مذهبية، بل يروي الحقيقة التاريخية كما هي باحترام وتقديس للتاريخ والبطولة العظيمة، وفي الآن ذاته يبني إطارًا تاريخيًا للجذور التي تتصل بعقيدة التزييف الفارسي الذي ضخم سيف بن ذي يزن بينما هو ليس ملكا حميريا من التبابعة بل قائدا يمنيا متمردا على الدولة الحميرية ولجأ الى دولة فارس لإسقاط دولة اليمن ومن ثم شرعنا احتلالها من الاحتلال الفارسي  . وفي الكتاب قد يندهش القارئ عندما سيجد أنني ترجمت نصوصاً من النقوش المسندية في مأرب للتبع اليماني ابرهة بن الصباح في سد مأرب التاريخي تظهر فيها مشاهد لقوة وسيطرة دولته اليمنية العربية التي حكمت الجزيرة العربية كلها ويتبعها الحبشة كولاية من ولايات اليمن خاضعة له ،وأن الواقع ان سيف بن ذي يزن كان مجرد عميل للدولة الفارسية وهو من ادخلهم لاحتلال اليمن واستعان بهم لإسقاط دولة وحضارة اجداده الحميريين اليمنيين "دولة سبأ" التي حكمت قرون من الزمان ونافسوا بها دول الفرس والروم حضاريا ولم يكونوا يوما من الايام خاضعين لاي احتلال غير الاحتلال الفارسي الذي لا زالت بعض آثاره حتى هذا الزمان .

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص