ثقافة وفنغير مصنف

متحف افتراضي لأنوثة الرسم في العالم العربي

 


 


في سياق ما صارت تنظمه المتاحف العالمية من عروض افتراضية بسبب العزل الذي فرضه انتشار فايروس كورونا، خطرت في ذهني فكرة استعراض شخصي لما أنجزته المرأة العربية في مجال الرسم الحديث. كانت تلك الفكرة بمثابة تطبيق عملي لمجموعة الحقائق التاريخية التي توصلت إليها بعد أن عملت لسنوات طويلة على إنجاز موسوعة موجزة للفن التشكيلي العربي. هي فكرة متحف افتراضي تكون مادته أعمال فنية أنجزتها المرأة العربية.


ولأن المرأة العربية الرسامة لم تقف على هامش المغامرة الفنية فقد كان النظر إليها باعتبارها كائن عزلة مختلفا يعد تقليلا من شأن ما أنجزته من جهة تأثيراته على المشهد التشكيلي العام.


 


ذلك الحكم لا يستثني واحدة من الرسامات اللواتي نجحن في تكريس شخصياتهن من خلال الرسم. بدءا من المغربية الشعيبية طلال والجزائرية باية محي الدين والتونسية صفية فرحات والفلسطينية جمانة الحسيني والعراقية مديحة عمر والمصرية جاذبية سري واللبنانية إيفيت أشقر وانتهاء بالسعودية صفية بن زقر والفلسطينية سهى شومان والعراقية سعاد العطار والإماراتية فاطمة لوتاه والبحرينية هالا آل خليفة والسورية ميساء محمد والقطرية ابتسام الصفار والمغربية مونيا بوطالب واللبنانية زينة الخليل والمصرية فاتن النواوي.


 


ثلاث فاتحات في زمن ضيق


لقد هالني العدد الكبير من الرسامات التي يمكن وضعهن في مقدمة المشهد ممن يمكن اعتبارهن مساهمات أساسيات في صناعة التحول. هناك مئات الرسامات، ليس أقل من عشرة منهن، كل واحدة منهن لا يمكن سوى التعامل معها باعتبارها رسامة من طراز خاص. ذلك الطراز الذي أسس لحداثة اللوحة في العالم العربي.


 


فجاذبية سري على سبيل المثال تنافس محمود سعيد على صعيد اختراع عناصر الهوية المحلية الحديثة للرسم المصري كما أن محاولات مديحة عمر التي تعود إلى نهاية أربعينات القرن العشرين تضعها في موقع ريادي نسبة إلى التيار الحروفي الذي شهد انتشارا في سبعينات القرن المذكور. وعلى المستوى ذاته يمكن النظر إلى محاولات إيفيت أشقر التي تعتبر ريادية في مجال الأسلوب التجريدي.


 


منتصف القرن العشرين نضجت تجارب ثلاث رسامات مصريات، هن تحية حليم وأنجي أفلاطون وجاذبية سري بطريقة لافتة. لقد أسرهن في البدء مشهد الريف المصري ببنيته السحرية التي تعبر عن قوة تأثيرها من خلال إيقاعات بصرية لا يكفي البعد الزخرفي لاحتوائها وهو ما دفع الرسامات الثلاث إلى الانتقال من الواقعية إلى نوع غنائي من التعبير لم يكن خفيفا بسبب ارتباطه بالأرض باعتبارها مصدر إلهام رئيس بالنسبة للمصريين.


 


غير أنّ الزمن كان يومها ضيقا. فالثورة المصرية التي حدثت عام 1952 انعكس عصفها على تلك التجارب بطرق متباينة مما أدى إلى تباعد بينهن، ربما كان ضروريا غير أن قسوته التهمت جزءا من خيال أفلاطون التي سُجنت بسبب أفكارها اليسارية. كان ذلك حدثا مؤلما في تاريخ الثقافة المصرية يشبه بوقعه ما تعرض له الرسام والناقد الفني رمسيس يونان. ما يهمني هنا أن تغييرا عميقا في بنية اللوحة قد حدث مع ظهور ذلك الثلاثي ولم يكن في تجاربهن ما يشي بما صار يطلق عليه في ما بعد تسمية “الفن النسوي” إضافة إلى أن فنهن لم يكن نوعا من التدبير المنزلي. وهو ما تمناه الرجال من الرسامين ولم يجدوا إليه منفذا.


التقيت الفلسطينية سامية حلبي قبل ثلاث سنوات في مرسمها الذي هو بيتها بنيويورك. منذ أكثر من أربعين سنة وهي هناك. تذكرت يومها أن مديحة عمر أقامت أول معرض لاستلهام الحرف العربي في واشنطن عام 1949. حلبي مناضلة بطريقة آخاذة. فهي لا تصرخ إنما تنقب بحثا عن أصول الحكاية الفلسطينية غير أن هوياتها المتشظية لم تقف بينها وبين البحث عما يمكن أن يعينها على أن تنصرف جسديا وروحيا إلى تمثل شظايا الفن الخالص وهي التي رأت حياتها تتنقل بين ثنايا حكاياته.


 


 تجربة حلبي تستحق أن تُدرس باعتبارها خلاصة حياة حقيقية. لم تفرض عليها هويتها الفلسطينية أن تتخلى عن هويتها الفنية الحديثة. ذلك لأنها تدرك جيدا أن في إمكان صفاء الفن أن يفتح الطرق بأناقة بين الهويات. لذلك كانت مطمئنة لتجريديتها باعتبارها منفذا إلى العالم من غير أن يعني ذلك التخلي عن التعبير السياسي الذي نجحت في تحييده فنيا. وهي بأسلوبها الفريد تعيد الرسم العالمي إلى مجال اللعب. خيالها يلعب مع خيال الروسي من أصول بولندية “كازمير مالافيتش”.


 


يُخيل إلي أن مالافيتش نفسه سيكون سعيدا وأنه رأى لوحات حلبي المرحة التي لا تغيب عنها روح الأميركي ألكسندر كالدر الذي حرّك المربعات بطريقة فاتنة ومشاغبة. تمثل تجربة حلبي تحوّلا عضويا في الأسلوب التجريدي.


 


نهائيات الشغب النسوي


سيكون للرسم وقع آخر، غير أنه سيكون وقعا مشاغبا لا لشيء إلا لأنه يستخف بالخطاب الذكوري وهو في الوقت نفسه يستعرض ممكنات جمالية جديدة لم يكن الرسم في العالم العربي قد توصل إليها.  تمثل الفنانتان جيلا مشاغبا من النساء اللواتي ربحن حقيقة العالم المتغير. وهو ما أدى إلى إضعاف صورة الذكر باعتباره منقذا للعالم.


كانت لوحة الخليل التي صورت حسن نصرالله إلى جانب المغنية شاكيرا مثالا على تحدي الواقع باعتباره نوعا من الترخيص لأساطير متناقضة.


 


في المقابل فإن لوتاه التي تقيم في إيطاليا كانت قد عرضت أعمالها على الشاشات في ساحة تايمز سكوير بنيويورك وهو حدث غير مسبوق عربيا. لوتاه التي انفتح عالمها على ممارسات فنية مجاورة للرسم تمثل جيلا من الرسامات العربيات اللواتي سحرهن خيال الفنون المعاصرة حتى بدا استعمال المواد المختلفة كما لو أنه صنعة نسوية. يبدو ذلك واضحا في أعمال الأردنية جمانة النمري واللبنانية ماجدة نصرالدين والكويتية ثريا البقصمي.


 


في السنوات الأخيرة كان الاهتمام العالمي برسوم ايتيل عدنان واضحا بطريقة تبدو كما لو أنها تعويض عن التأخر في النظر إلى تجربة فنية فذة، كانت خلاصة لغة مشت بالعالم المرئي في اتجاه جمالياته الخفية.


 


فالشاعرة التي لمست المفردات البصرية بكهرباء يديها وضعت التجريد الغنائي في منطقة يتصل من خلالها الواقع بأوهامه من غير حاجة للشرح أو التفسير. كانت عينها تذهب إلى الهدف الجمالي مباشرة. لذلك خلت شحنة التعبير لديها من أي هامش أدبي، وهو ما يشير إلى صلة عميقة نجحت عدنان في إقامتها مع الطبيعة من خلال لغة شعرية لا تحفل بالتفاصيل.


لا تخفي رسومها طابعها الأنثوي. غير أن المدهش في تجربتها أن ذلك الطابع لم ينغلق على خطاب نسوي بقدر ما انفتح بالرسم على عالم، جلب معه إلى المغامرة الفنية الحديثة في العالم العربي قدرا لافتا من المتعة والمرح واللعب ولذة الشعور بحياة كريمة بعناصر سعادتها. وكما أرى فإن تجربة ايتيل عدنان هي الهبة المثالية التي قدمتها الأنوثة للرسم الحديث في العالم العربي.


*كاتب عراقي


 

اظهر المزيد

الوسائط المتعدده

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق