تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

كرة القدم وجمهورها أمام تحدي عبور عقبات كورونا

الحبيب مباركي

الثلاثاء 2020/06/09 الساعة 11:14 مساءً

 

تستعد كرة القدم العالمية إلى لملمة نفسها من أجل استئناف الموسم الكروي في أكثر من قارة، لكن بالموازاة مع ذلك تتزايد الأسئلة حول العقبات التي تنتظر اللعبة الأكثر  جماهيرية عند العودة والمسار الذي ستتخذه، وكيف سيكون وضعها في ظل الإجراءات الصحية الصارمة وغياب الجمهور، والأهم من ذلك مدى محافظتها على جاذبيتها في استقطاب المشاهدين من خلف شاشات التلفزيون.

باتت هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها ضمن واقع كرة قدم جديد يراهن الكثيرون على أنه سيخضع لترتيبات الأزمة الوبائية العالمية التي ستترك أثرها على الأندية ومختلف الفاعلين في اللعبة عربيا وأوروبيا.

وفرض وباء كورونا شللا شبه كامل على الأحداث والمنافسات الرياضية حول العالم منذ منتصف مارس الماضي، مما أدى إلى تداعيات مالية قاسية على الأندية واللاعبين والهيئات وأصحاب المصالح.

ويلفت محللون إلى حقيقة مفادها أن وضع كرة القدم عبر العالم ما بعد أزمة كورونا لن يكون مماثلا لما قبلها. وتتأتى هذه النظرة، وفق بعض الخبراء، انطلاقا من العديد من المؤشرات بينها تراجع الإيرادات المالية للأندية وانخفاض عقود اللاعبين وتقليص الرواتب المتضخمة في الدوريات الكبرى، وهي كلها خطوط عريضة يتوقع أن تحدّد مسار كرة القدم مستقبلا.    

ويتوقع مايكل باين، المدير التسويقي السابق في اللجنة الأولمبية الدولية، أنه على الرغم أن طريق الخروج من الأزمة سيكون مؤلما جدا، إلا أن الرياضة عموما وكرة القدم على وجه الخصوص ستعود بصحة أفضل وأقوى من قبل.

ويلتقي باين مع ما ذهب إليه كارل هاينتس رومينيغه، الرئيس التنفيذي لنادي بايرن ميونخ الألماني، الذي توقع أن أزمة كورونا ستضع حدا لتضخم “غير صحّي” للرواتب وانتقالات لاعبي كرة القدم.

وكشف رومينيغه في تصريح لافت مع بداية الأزمة الوبائية أن “أي أزمة تجلب معها الفرص. بلغت الرواتب ورسوم الانتقالات مبالغ غير صحية منذ زمن. فايروس كورونا والأزمة التي استحدثها سيؤديان إلى إيقاف أكثر دائما، أغلى دائما، أسرع دائما”.

وفسّر محللون أهمية ما يطرحه رومينيغه بشأن الوضع الجديد الذي سيميّز كرة القدم في المستقبل وحده بأن وقف النشاط هو ما سيسهم في إعادة ترتيبه، ويقرون بأن ذلك سيكون مبنيا على قواعد وخطط شتى بدءا بمسار العودة وصولا إلى عملية التغيير الشاملة التي تتطلبها عملية النهوض باللعبة الشعبية.

 

ريادة ألمانية

أعطى الدوري الألماني “البوندسليغا” الذي عاد إلى المنافسة الشهر الماضي، إشارات واضحة لبقية الدوريات الأوروبية الأخرى بأن عليها تطبيق إجراءات صارمة ووضع بروتوكولات وخطط مدروسة إذا كانت تفكر في السير على نفس الطريق. وكان متابعون قد أبدوا لدى استئناف الدوري الألماني نشاطه تخوفهم من أمور شتى، كتفشي الوباء بين أفراد الفرق، أو تعرض اللاعبين إلى إصابات بدنية، أو تجمع المشجعين حول الملاعب، لكن ألمانيا لاحت أكثر تنظيما وتبدو في طريقها لكسب رهان إقامة منافسات اللعبة في زمن كورونا.

ويُحسب لألمانيا أنها كانت على المسار الصحيح من خلال فرض بروتوكول صحي صارم وإجراءات وقائية ضمن اتفاق أمضت عليه الأندية قبل السماح لها بالعودة إلى الملاعب لاستكمال الموسم. وهذا ربما ما يمهد الطريق أمام العديد من الدوريات الأوروبية الأخرى التي بدأت تشق طريقها لاستكمال الموسم الكروي.

وبالفعل بدأت العديد من الدوريات الأوروبية في وضع خطط مدروسة وإجراءات صحية صارمة تمهيدا لاستئناف الموسم، سواء في إسبانيا التي تعود فيها منافسات الليغا هذا الأسبوع أو الدوري الإنجليزي الممتاز “البريميرليغ” الذي يتجهز لاعبوه للعودة الأسبوع المقبل وبالمثل الدوري الإيطالي الذي يسير على الطريق نفسه.

أما عربيا فإن الوضع لا يختلف كثيرا عمّا يتم التخطيط له في أوروبا لجهة الوضع الصحي الذي يميز بعض الدول وإن كان أقل حدة مقارنة بما عاشته وتعيشه أوروبا. ولكن تأثير أزمة وقف النشاط يلوح أكثر حدة قياسا بالوضعيات الصعبة التي تمر بها بعض الدول اقتصاديا ما فاقم وضعية الأندية وزاد من خسائرها المالية.         

ويؤكد باين أن على أندية كرة القدم التقليص من إنفاقها لأن الإيرادات من بيع التذاكر “ستستغرق بعض الوقت لتعود”، مضيفا أنه سيتطلب على القائمين إجراء “هندسة مالية كبيرة لإدارة الأعمال”.

وأوقف فايروس كورونا المستجد غالبية المنافسات حول العالم التي بدأت تعاود نشاطها تدريجيا في الأسابيع الأخيرة فيما ينتظر البعض الآخر دوره. وعرّت الأزمة المفاجئة واقع كرة القدم وكشفت جانبا مخفيا يتعلق بعدم جاهزيتها للتعامل مع هكذا وضع استثنائي.

والأكيد أن مسارا شاقا ينتظر القائمين على كرة القدم في السنوات القادمة بعدما كشفت الأزمة الأخيرة العديد من الثغرات على مستوى الإمكانيات المالية للأندية واستعدادها للتعامل مع ظرف طارئ كهذا، وكذلك على مستوى الهوّة الكبيرة بين أندية الدرجة الأولى والثانية.

وشمل هذا المعطى الثاني البطولات العربية والأوروبية على حد السواء التي تباين تعاملها مع الأزمة الحالية وما زالت الشكوك تحاصر أغلبها في العودة إلى النشاط فيما خيّرت أخرى تأجيل الاستئناف إلى موعد لاحق. 

 

انطلاقة جديدة

لكن مهما يكن من أمر فإن استئناف النشاط سيكون بمثابة انطلاقة جديدة للحياة لدى بعض اللاعبين المتحمسين وأيضا بالنسبة إلى بعض الأندية التي تنتظر تتويجها باللقب على غرار فريق ليفربول الذي يعيش على وقع حلم انتظره لقرابة 30 عاما.    

ويرى الصحافي والمحلل الرياضي مراد البرهومي أن العودة ستكون بلا شك على استحياء وكأن اللاعبين سيكتشفون الملاعب لأول مرة بعد غياب دام حوالي ثلاثة أشهر.

وقال البرهومي في تصريح لـ”العرب” “الأمر سيبدو في البداية معقدا وخاصة على اللاعبين الذين سيخوضون المباريات في ظروف استثنائية يعيشونها لأول مرة. بسبب غياب الجماهير والإجراءات الصحية الصارمة وغياب نسق المباريات. لن يكون الأمر تبعا لذلك سهلا، لكن مع تقدم الجولات سيجد اللاعبون نسقهم المعهود وستعود الحياة تدب في الملاعب”.

وخلافا لما تعوّد عليه اللاعبون، فإن وضع كمامات وارتداء قفازات وخوض مباريات خلف أبواب موصدة في وجه المشجعين، وتنظيم رحلات طيران خاصة للأندية والإقامة في فنادق حصرية، وتنقل أفراد الفريق ذاته في أكثر من حافلة، كلها مشاهد غير مألوفة ستصبح معتادة وعلى مدى الأسابيع التالية لاستكمال ما تبقى من موسم 2019-2020. ويستدرك البرهومي بقوله “لكن من الممكن أن تحتاج كرة القدم للكثير من الوقت كي تستعيد عافيتها وتوهجها بعد أن يتم تدريجيا التخلص من الآثار التي تركها هذا الوباء من الناحية النفسية والمعنوية وخاصة المالية”.

واستنادا إلى آراء المحللين، فإن اللعبة الشعبية كانت تعمل وفق إمكانياتها المادية العادية ولم يكن هناك تخطيط مسبق لأزمة طارئة كالتي يمر فيها عالم كرة القدم اليوم.

ويلفت هؤلاء إلى أن عددا قليلا فقط من الهيئات أو الاتحادات كانت لديها أموال مخصصة ليوم صعب هكذا، ما يعني أن الأزمة مثلت أكبر جرس إنذار على الإطلاق لمعظم الدوريات عبر العالم سواء عربيا أو أوروبيا لمراجعة بعض الحسابات وإعادة رسم خططها الاستراتيجية للمستقبل وخصوصا على مستوى الحضور الجماهيري الذي يعتبر عنصرا فاعلا كي تستعيد اللعبة ألقها المعهود.

وفي وقت يحذر فيه وجه بارز في مجال الإعلان منظمي الأولمبياد وكأس أوروبا لكرة القدم اللذين أرجئا من العام الحالي إلى صيف 2021 من أن إعادة تنظيمهما ستكون صعبة وحذرة، فإن المدير التنفيذي السابق للفورمولا واحد البريطاني بيرني إيكلستون يرى أن المشجع العادي سيكون سعيدا بمجرد عودة المنافسات الرياضية.

وفي حال أجازت السلطات المعنية تواجد الجماهير في الأحداث الرياضية العام المقبل، لاسيما خلال الألعاب الأولمبية وكأس أوروبا، فمن المرجح أن تفرض إجراءات التباعد الاجتماعي في المنشآت والملاعب.

ويعتبر مارتن سوريل، الخبير البريطاني المخضرم في مجال الإعلان ومؤسس شركة “دبليو بي.بي” الرائدة، أن الرياضة عموما وكرة القدم بصفة خاصة في سباق مع الوقت. ويقول “أعتقد أن الأمر سيكون حذرا جدا لأن على الفاعلين أن ينظموا الأمور منذ الآن وإجراء التعديلات، وهو أمر معقد للغاية”.

خلافا لما يعتبره البعض عنصرا مكمّلا لكرة القدم لا تزداد الحماسة إليها إلا بتوفره، فإن غياب الجمهور يرى البعض أنه سيشكل ضربة قوية للعبة الشعبية ويفقدها جانبا مهما من جاذبيتها إذا ما تواصل حظره في الموسم المقبل.

 

عنصر فعّال

ويقر تيرينس بيرنز، الذي ساهم منذ أن ترك منصب المدير التسويقي في اللجنة الأولمبية الدولية، بأن فرض قيود وإجراءات على المشجعين سيحرم الأحداث الرياضية الكبرى “جزءا من خصوصيتها ورونقها”.

ومع ذلك، يبدو بيرنز متفائلا بشأن مستقبل الرعاة لكنه يتوقع أن يكونوا أكثر دقة في اختيار مشاريعهم. ويقول “ستكون الرياضة دائما عنصرا رئيسيا في استراتيجية التسويق والترويج للعلامات التجارية نظرا لفعاليتها العاطفية”.

وبحسب بروتوكول العودة الذي سيتم تطبيقه في بعض الدوريات الأوروبية، فقد تم وضع برنامج للفرق يشمل كل جوانب السفر والإقامة في الفنادق. كما أن اللاعبين المدعوين لخوض المباريات سيخضعون لفحص للكشف عن فايروس كورونا بشكل دوري. وسيدخل اللاعبون الملعب مرتدين كمامات وقفازات. أما الأماكن المشتركة كغرف الملابس فسيتم تعقيمها ولن تكون متاحة إلا للأشخاص الذين يتعين عليهم التواجد فيها.

ولكن رغم كل هذه الإجراءات الصارمة يرى معارضون أنه يصعب تطبيقها بحذافيرها وحتى وإن التزم بها اللاعبون خارج الميدان، فإن تطبيقها داخله وخصوصا أثناء تسجيل الأهداف يبدو صعبا.

ويرى نجم المنتخب الكاميروني صامويل إيتو “ينبغي أن ينصب تركيزنا في الوقت الحالي على التعاون من أجل تجاوز هذه الأزمة. تعلمت عندما كنت طفلا كيف أتغلب على صعوبات وتحديات بدت لا نهاية لها. وفي ظل العزلة التي يشهدها عالمنا الآن، أعتقد أن هذا ما يشعر به الكثيرون في مختلف بلدان العالم بسبب التداعيات التي فرضها وباء كورونا”.

وعلى المستوى الإعلامي يقر متابعون بأن التغطية الميدانية للمباريات ستكون شائكة، حيث سمح في الدوري الإسباني مثلا لصحافي واحد من كل مؤسسة إعلامية بدخول أرضية الملعب، ولأربعة مراسلين لشبكات التلفزيون غير المالكة لحقوق البث مع ثمانية مصورين صحافيين، خمس صحافيين من الإذاعات، على أن تخصص ستة أماكن لممثلي الصحافة المكتوبة.

ولقي هذا البروتوكول انتقادات واسعة من قبل جمعية الصحافيين. أما المشاهدون فلديهم الخيار بين البث الواقعي أمام مدرجات صامتة ووراء أبواب موصدة أو تغطية يرافقها ضجيج الملاعب وأصوات المشجعين المسجلة.

لكن لا أحد سيكون ضامنا لالتزام الجماهير بكل هذه الإجراءات التي تم وضعها سواء في إسبانيا المهووسة جماهيرها بمتابعة منافسات الليغا أو إنجلترا التي يتعاظم فيها مستوى الدوري الممتاز ويحظى بنسبة مشاهدة خيالية عربيا وأوروبيا.

لكن إيكلستون، العراب السابق لبطولة العالم لفورمولا واحد، يعتبر أن أمنيات الجماهير والمشجعين لن تكون معقدة. ويقول في هذا الصدد “في الوقت الراهن، ما هي الأحاديث العائلية باستثناء فايروس كورونا؟ بالكاد تبعث بالارتياح وهو أمر تريد مناقشته، لكن الناس يناقشون كيفية تأثيره عليهم أو أفضل طريقة لتجنب الإصابة”.

ويردف أنه في وقت “لا يملك أي منا فكرة” عن الأمور العلمية الخاصة بفايروس كوفيد -19 فإن “الناس تملك آراء عن الرياضة، عن فرقهم المفضلة ومن يرغبون في الفوز”. ويختم “ما إن تعود الرياضة، فإنها ستشكل دفعة معنوية للناس”.

الأكيد أن أزمة كورونا ستشكل اختبارا حقيقيا لكرة القدم للظهور بمظهر جديد في كافة أنحاء أوروبا والعالم العربي، وهي فرصة للوقوف على العوائق التي بددت أي أمل في المساواة بين الأندية واللاعبين والأهم من ذلك مراجعة نظام القوانين التي ظلت تحكم اللعبة الشعبية وتتحكم في مصيرها لعقود طويلة.

ومثلما هو معلوم فإن الأزمات غالبا ما تأتي بالحلول، لذلك تعتبر هذه الأزمة بمثابة فرصة للإصلاح والتغيير على قاعدة أن كرة القدم رياضة شعبية وجماهيرية هدفها الأول والأخير هو التقريب بين الشعوب وتعزيز الترابط بين الناس.

 

 

*كاتب تونسي

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص