ثقافة وفنغير مصنف

أبو الطيب المتنبي شاعراً

 


 


 


لا يعتريني أدنى شك في أن عنوان هذه التأملات سوف يثير مجموعة من أسئلة القراء المتابعين للشعر، وأن أول أسئلتهم سيكون: وما الجديد في حديث كهذا؛ فالمتنبي ليس شاعراً فحسب، بل هو أهم شعراء العرب على الإطلاق؟


 


 


 


وأنا أتفق معهم وأقول لا خلاف على مكانة المتنبي، لكن ما كتبه من شعر يتوزع بين الحكمة والنظم والشعر، فالعنوان إذاً يحاول لفت انتباه القراء إلى أن هذا البحث الموجز، الذي يشير العنوان إلى محتواه سيتناول هذا الجانب الأخير، وهو الشعر الذي يعطي للمتنبي صفه الشاعر لا صفة الحكيم أو الناظم المنطقي.


 


 


 


وآمل أن أكون في هذه الإشارة التمهيدية قد تمكنت من توضيح حقيقة العنوان ودلالته، التي بدت غامضة بعض الشيء، وإذا كان شعر هذا المستوى عند المتنبي قليلاً فإنه عند الشعراء الآخرين يبدو أقل من القليل.


 


 


 


ولا أنسى هنا الإشارة إلى أن ما دفعني إلى الاقتراب من هذا المنحى الشائك، هو تلك العبارة التي سادت في عصره وتواصل صداها إلى ما تلاه من عصور، وهي (أبو تمام والمتنبي حكيمان وإنما الشاعر البحتري)، وهي عبارة قطعية تسلب الشاعرين الكبيرين كل علاقة لهما بالشعر بمعناه الخاص والدقيق، ولا تعطي أدنى اهتمام لتلك اللوحات الشعرية البديعة التي تتخلل قصائدهما الطويلة وما تحمله من نبض الشعر / الشعر، ومنها على سبيل المثال تلك الأبيات التي جاءت في سياق الحديث عن البطولة والحرب في القصيد ة المشهورة لأبي تمام (السيف أصدق إنباء) والأبيات هي:


 


 


 


لقد تركت أمير المؤمنين بها


 


 


 


للنار يوماً ذليل الصخر والخشبِ


 


 


 


غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى


 


 


 


يشلّه وسطها صبح من اللهبِ


 


 


 


حتى كأن جلابيبَ الدُّجى رغبت


 


 


 


عن لونها، وكأن الشمس لم تغبِ


 


 


 


ضوء من النار والظلماء عاكفةٌ


 


 


 


وظلمةٌ من دخانٍ في ضحىً شَحِبِ


 


 


 


هكذا إذاً، هو الشعر /الشعر/ أو الشعر / الماس المتناثر بين سطور القصائد الطويلة والقصيرة للشعراء الكبار.


 


 


 


 وهو عند المتنبي أظهر وأكثر، وسنبدأ معه من قصيدته (النونية) تلك التي استوحى مقدمتها من (شِعب بوّان) في بلاد فارس، وكيف سار به في مناخ من الدهشة والافتنان بالطبيعة في واحدة من صورها الأعذب والأجمل، وبما تعكسه من الأضواء والظلال، وما كان ذلك الشِعب أو الوادي الظليل ليستأثر بإعجابه لو لم يكن من القدرة الجمالية بمكان، ولما انعكس أثره في هذا التعبير الشعري الباذخ غير المسبوق في تاريخ الأدب العربي والشعر منه خاصة، حيث تتحول الصورة إلى لوحات فنية تضاهي ما يرسمه المصورون الكبار عن الحدائق والغابات:


 


 


 


مغاني الشِّعب طيباً في المغاني


 


 


 


بمنزلةِ الربيع من الزمانِ


 


 


 


ولكن الفتى العربيَّ فيها


 


 


 


غريب الوجه واليد واللسانِ


 


 


 


ملاعب جِنّةٍ لو سار فيها


 


 


 


سليمانٌ لسار بترجمانِ


 


 


 


فسرتُ وقد حجبن الحر عني


 


 


 


وجئن من الضياء بما كفاني


 


 


 


وألقى الشرقُ منها في ثيابي


 


 


 


دنانيراً تفرّ من البنانِ


 


 


 


لها ثمر تشير إليك منه


 


 


 


بأشربةٍ وَقَفن بلا أوانِ


 


 


 


وأمواه ٌ تصلّ بها حصاها


 


 


 


صليلَ الحلي في أيدي الغواني


 


 


 


في هذا المقطع، يبدو المتنبي فناناً تشكيلياً يرسم لوحاته الشعرية، أو بالأصح مجموعة لوحات متعددة الألوان، بكلمات تأسر المشهد الطبيعي لتتناقله الأجيال عبر العصور، وفيه نصغي إلى موسيقا المياه وإلى النسمات التي تحرك أوراق الشجر بحنان، وهذا هو الشعر الذي يتداخل بين الصامت والناطق والضوء بالظلال.


 


 وهنا يشعر القارئ المتمرس بقراءة الشعر وإدراك مستوياته اللونية والصوتية، بأن المتنبي كان وهو يكتب هذا المقطع في أقصى درجات العفوية بعيداً عن التصنع والكد الذهني، وكأنه يلتقط صوره ومعانيه من فضاء المكان، فكانت تأتي إليه سهلة دون جهد يبذل أو عناء، وهي حالة لا يدركها إلاَّ الكبار من الشعراء الذين تتملكهم طاقة تعبيرية تتجاوز الوعي إلى اللّا وعي، والواقع إلى ما هو أبعد من الخيال.


 


 


 


ومما تناقله النقاد عن ابن رشد، اختياره لأربعة أبيات من قصيدتين لاميتين، بوصفها أجمل ما كتب المتنبي من شعر، والأبيات المختارة تؤكد بوضوح فهم هذا المفكر والفيلسوف للشعر، وأن نقده العالي يثبت اتساع دائرة وعيه الأدبي والمعرفي، والبيتان الأولان هما من قصيدة كان المتنبي يتحدث فيها عن رسول ملك الروم إلى سيف الدولة، وكيف كانت حيرته وهو يبارح أرضه، التي كانت لاتزال تعاني غبار المعارك وآثار الدماء التي سالت فيها، والحديث موجهٌ إلى سيف الدولة:


 


 


 


وأنَّى اهتدى هذا الرسول بأرضه


 


 


 


وما سَكَنت مذ سِرت فيها القساطلُ


 


 


 


ومن أيّ ماءٍ كان يسقي جياده


 


 


 


ولم تصفُ من مزج الدماء المناهلُ


 


 


 


أما البيتان الآخران فهما من قصيدة لامية أخرى، يمدح بها المتنبي ابن رائق المتقي وهو أحد خلفاء العباسيين المعاصرين له، والبيتان من المقدمة الغزلية وهما:


 


 


 


لَبــِسن الَوشْيَ لا متجملاتٍ


 


 


 


ولكن كي يَصُنَّ به الجمالا


 


 


 


وضفّرن الغدائرَ لا لحسنٍ


 


 


 


ولكن خِفن في الشَّعر الضلالا


 


 


 


وفي القصيدة التي اختار ابن رشد منها هذين البيتين، أبيات أخرى تستحق الوقوف عندها، ومنها هذا البيت:


 


 


 


على قلقٍ كأن الريح تحتي


 


 


 


أوجهها جنوباً أو شمالا


 


 


 


كثيرة هي الأبيات الشعرية التي تناثرت بين سطور قصائد المتنبي وأحياناً في مداخلها، ومنها هذه الأبيات التي جاءت في مدخل إحدى قصائده، ذات الإيقاع الموسيقي الفاتن:


 


 


 


وكيف التذاذي بالأصائل والضحى


 


 


 


إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبَّا


 


 


 


ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به


 


 


 


وعيشاً كأني كنت أقطعه وثبا


 


 


 


وفتّانة العينين قتالة الهوى


 


 


 


إذا نفحت شيخاً روائحُها شبّا


 


 


 


وربما يكون المتنبي هو الشاعر العربي الوحيد الذي تلين له اللغة، ومثلها القوافي، فتبدو للقارئ وكأنها معدّة سلفاً، أو بعبارة أخرى كأنه لا يكتبها بل يجدها مكتوبة جاهزة، ليتلقاها دون بحث أو عناء، وهي حالة تستدعي دراسة مستقلة.


 


 


 


ونتوقف هنا قليلاً عند لاميته المرفوعة، التي تقطر عذوبةً وتنساب في الأفواه انسياب الجداول في الحقول الظمأى.


 


 وفي هذه القصيدة الرائعة يوجد البيت الشعري العظيم، الذي جمع بين الشعر عندما يكون في أبهى تجلياته، وبين الحكمة دائمة الحضور في كثير من الحالات، التي يجد الإنسان نفسه واقفاً بين خصومه، ومن يفترض أنهم أصدقاؤه.


 


 


 


وسوى الروم خلف ظهرك روم


 


 


 


فعلى أي جانبيك تميل


 


 


 


ونتوقف قليلاً عند المقطع المشار إليه، وهو يتوسط القصيدة ويحتل منها مقام القلب في هذه القصيدة، ويبدأ بالسؤال الذاهل المذهل:


 


 


 


نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ


 


 


 


أَطَويلٌ طريقنا أم يطولُ


 


 


 


وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ


 


 


 


وكثيرٌ من رده تعليلُ


 


 


 


لا أقمنا على مكانٍ وإن طاب


 


 


 


ولا يمكن المكان الرحيلُ


 


 


 


كلما رحبت بنا الروض قلنا


 


 


 


حَلَبٌ قصدنا وأنت السبيلُ


 


 


 


وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن هذا الشاعر العظيم فريدٌ في شخصيته، وفريدٌ في حياته، وفريدٌ في قصائده الموحية، التي اتسعت للمديح وللتعبير عن الذات.


 


كما اتسعت للحكمة ووصف الطبيعة وللشعر في أرقى مستوياته وأعمقها، تمثّلاً لمعنى الشعرية في توصيفها القديم والمعاصر.


 


 


 


* نقلا عن مجلة الشارقة الثقافية


 


 

اظهر المزيد

الوسائط المتعدده

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق